رجل في بيت أبيض
العين 16/4/2009 الدكتور أمان الدين محمد حتحات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القناة الأولى
جاوز أبو محمد السبعين من عمره وأخاديد الزمن في وجهه تغور وتحكي كلّ يوم قصصاً عاشها منذ النكبة الأولى، وتذكّر يوم قتل أبوه أمام ناظريه، وطرد من بيته وبيّارته مع آلاف من النسوة والأطفال على مسمع من العالم المتحضّر المتمدين آنذاك، حمل آلامه على كاهله ونسج آماله الطفولية بخيوط الأيام، لا يلوي على شيء في هذه الحياة إلاّ مفتاحَ بيته وخيمةً صغيرة ضمته مع أمه وإخوته إلى جانب ما لا يتسع له البصر الممتدّ من الخيام التي تحولت مع الأيام إلى بيوت من الصفيح؛ لتشكل مدينة أطلقوا عليها اسم "مخيّم المغازي".
كبر أبو محمّد وظلّت آماله كبيرة في يوم يعود فيه إلى بيته وحقله، وشكّل المفتاح عنده مفتاحاً للسعادة التي تدغدغ مخيلته على الدوام، ومرت عربة الزمن فوق أحلامه عام ستة وخمسين وكذلك عامَ سبعة وستين حيث مرّغت أحلامه بالتراب، وثلاثةٍ وسبعين، لكنها لم تقوَ على إطفاء الأمل لديه، خبّأ مفتاحه في كثير من المحن التي عصفت بأمة العرب، وكم من مرّة أوشك مفتاحُه أن يضيع، لكن الإرادة لدى أصحاب المفاتيح أقوى من النوائب والمصائب.
جاء خفافيش الظلام يوماً فوق غزّة وما حولها؛ ليجوّعوا من تبقى من أصحاب المفاتيح وأبنائهم وأبناء أبنائهم؛ ليقطفوا البسمة الصابرة التي يملكها أصحاب المفاتيح، بسمةً وهبها الله لبعض الناس الذين لا يعرفون اليأس والتراجع والخنوع، يدفعون بفلذات أكبادهم في سبيل بقاء البسمة تعلو الشفاه، وبصيصِ الأمل متّقداً.
حلّق الطيران في سماء قطاع غزّة دون أن يتخيّر أهدافاً ؛ لأن كلّ القطاع هدف مشروع لديه، وبدأ القصف، وتكوّر أبو محمد وزوجه وأطفاله الصغار إلى جانب أحفاده في زاوية من زوايا المنزل المتداعي أصلاً ؛ ليتّقي الجميع قسوة الغارات الإسرائيلية على مخيّم المغازي، أمّا أولاده الثلاثة الكبار فقد تركوه إلى جهة لا يعلمها بالتحديد، لكنّه متأكد أنهم يدافعون عن بقايا وطنهم الذي نُهِشت أطرافه من كلّ جانب وانتهك على مرّ السنين. أعطى أبو محمد توجيهاته للجميع من نساء وأطفال أن خُذوا حذركم وابقوا إلى جانب الجدران دائماً؛ لتتّقوا انهيار الأسقف من شدّة القصف، واهتزاز أركان البيت إن كانت له أركان، ساعات عصيبة من العويل والبكاء والصراخ توقف بعدها القصف وخرج الناس في الهزيع الأخير من التحمل والصبر يلمّون الجراح من جنبات المخيّم، ويضمّدون آلام بعضهم بعضاً، ولا مساعد لهم على خوفهم إلا رشقات أسلحة المقاومين التي يميزونها بدراية ومعرفة، ويطمئنّون من خلالها، ويتيقنون أنّ الأمور بخير، لا فرق إن كان من استشهد ابنَنا أو ابنَ جارنا، المهمّ أننا نسمع صوت أسلحتهم لنعرف أننا على قيد الحياة.
القناة الثانية
أطفال في عمر الورود تسابق أحلامهم خطواتهم الصغيرة وهم يمرحون في باحة مدرسة صلاح الدين الأيوبي في غزّة، لم يعرفوا مرارة الأيام التي عاشها أهلوهم في النكبة إلاّ من حكايا جداتهم، فتحوا عيونهم على حلم كبير كبير حلم العودة إلى فلسطين أرضهم القريبة البعيدة، لو تسلّلنا إلى أحاديثهم الخاصة لسمعناهم يقولون واحداً تلو الآخر:
· يقول والدي نحن من يافا: كنا نملك ييتاً جميلاً تحيط به أشجار الفاكهة من كلّ جانب ومازال مفتاحه لدينا.
· ويقول آخر: نحن من قرية النبعة قضاء صفد كما يحكي لنا جدي: بيتنا يقبع في أحضان بيارات البرتقال، وبقربه نبع عذب، يقول والدي: إنه من أعذب مياه الأرض.
· ويقول ثالث: يقول جدي: إنّنا من قرية العالية قرب القدس حيث تسدّ الأفق أشجار الزيتون؛ لتلتصق مع السماء في منظر ساحر.
يُقرع جرس المدرسة، ويصطفّ التلاميذ مع معلماتهم في طابور الصباح؛ ليردّدوا نشيد فلسطين كما اعتادوا كلّ صباح، كلّ يرفع صوته بغريزة لا يدري كنهها، إنّما يشعر بفرحة غامرة، ونشوة تساوي نشوة النصر كلّما عانق صوته عنان السماء. بالأمس لم ينم الطلبة من هول القصف، وعلى الرغم من ذلك فقد نسوا آلام الليل مع بزوغ نهار يوم جديد، بعد أن اعتادوا هذا النمط من الحياة.
دخل التلاميذ فصولهم مستبشرين بيوم لا دمار فيه، ثانيةٌ واحدة اقتلعت فيها قنبلة فوسفورية أحلام الطفولة من جذورها، وعُلّقت مظاهر العلم والبراءة على أسطح المنازل المجاورة، وانتشرت روائح الموت لتصبغ دنيا الطفولة بلون أحمر قانٍ يترجم آلام عقود من الزمن مصوّراً حلقة جديدة من مسلسلٍ تتابعت فصوله كل يوم، ولم ير العالمُ له نهايةً، ولم تُسدل ستارةُ مسرحيته بعد.
اجتُثت الطفولةُ كلها في لحظات، ولم يبق منها إلا أيتامٌ في شوارع غزّة يخافون من خفقات قلوبهم، ويرتعدون من رفّة رموش أعينهم، يهيمون على وجوههم باحثين عن بقايا أهلهم ووطنهم، ويحكون للقنوات التلفزيونية وحشية المعتدي، وأنّهم صامدون ومقاومون حتّى آخرَ فرد منهم.
القناة الثالثة
يتربع مشفى جنين الوطني فوق تلّ يراقب المدينة بحنو أمّ تراقب أطفالها وهم يلعبون، فإذا سقط أحد الأولاد أرضاً أو ألمّت به نائبة سارعت الأم لإسعافه بكل ما تملكه من إمكانات، وهي تربت على كتفه مطمئنة، حتّى صار المشفى ملاذاً لكلّ صاحب حاجة سواء أكان غنيّاً أم فقيراً، كبيراً أم صغيراً.
دخلت أم عائد المشفى بعد أن ألمّت بها آلام المخاض المباغت، ولم يجد أبو عائد موئلاً يلجأ إليه إلاّ مشفى جنين الوطني، حمل لها حقيبة صغيرة أعدّتها لهذه اللحظة، فيها أغراض تحتاجها كلّ امرأة تدخل المشفى في حالة الولادة، نهب الزوج الأرض نهباً بسيارة جاره التي استعارها، لأنه بانتظار عائد المولود الجديد الذي سمّاه به أهله وأصدقاؤه قبل أن يتزوج، دقائق ووصل المشفى، ساعتان من الزمن وكانت أم عائد مستلقية في غرفة جيّدة، ووليدها في سرير صغير مجاور تنظر إليه نظرة أنستها أشهر العذاب التسعة، وأبو عائد تغمره فرحة ملك معها الدنيا بما فيها، دخل طبيب الغرفة واطمأنّ على صحة الأم، وهنّأها على سلامة عائد وأخبرهما بأنه سيأخذ الطفل إلى مبنى مجاور ملحق بالمشفى؛ ليوضع في حاضنة خاصة بالخدّج بعض الوقت لأنه يشكو من بعض النقص الذي يمكن تداركه، سمح للأم بمغادرة المشفى في اليوم التالي، عندها بدأت الأم تتردّد يومياً على قسم الخدّج مع أبي عائد يرقبان صغيرهما بابتسامة الرضا على أمل نقل الطفل بعد أيام إلى بيتهما وهو متمتّع بالصحة الكاملة.
صبيحة يوم السبت أيقظت أم عائد زوجها منذ الصباح الباكر تحثّه على الإسراع في تجهيز نفسه؛ لأنها على موعد مع المشفى منذ يوم الخميس لاستلام عائد؛ ليكون ابنُها بين أحضانها على الدوام، ولن تفارقه بعد اليوم، خرجا من البيت، جريا في الشارع مسرعَيْن نحو بيت الجار؛ لأخذ سيارته، انطلقا بالسيارة نحو المشفى؛ ليجدا أمامهما هرج ومرج، ويشاهدا سدّاً منيعاً حال بينهما وبين عائد سدّاً عنصرياً مصطنعاً فرق بين الأب وأبنائه وربِّ الأسرة وحقله، ومزق المدينة إلى أشلاءٍ حرمت الولدَ من مدرسته والأمَ من وليدها، هذا السدّ أطلقوا عليه اسمَ الجدار العازل.
النتيجة
في غرفة بيضاوية من غرف بيت أبيض امتدّت من خلال الضوء الخافت يد لتعبث بشعر كلب مستلق عند قدمي صاحبه الذي لم تهزّ فيه المشاهد شعرة، يتثاءب الرجل في البيت الأبيض ويتمطّى مرات ومرات، ويمسك بيده الأخرى جهاز التحكم من بعد ويطفئ شاشة التلفاز قائلاً لزوجه: أين تقع غزّةُ، وجنين، ومخيم المغازي ؟... على العموم لامشكلة في ذلك هيّا؛ لننام.
العين 16/4/2009 الدكتور أمان الدين محمد حتحات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القناة الأولى
جاوز أبو محمد السبعين من عمره وأخاديد الزمن في وجهه تغور وتحكي كلّ يوم قصصاً عاشها منذ النكبة الأولى، وتذكّر يوم قتل أبوه أمام ناظريه، وطرد من بيته وبيّارته مع آلاف من النسوة والأطفال على مسمع من العالم المتحضّر المتمدين آنذاك، حمل آلامه على كاهله ونسج آماله الطفولية بخيوط الأيام، لا يلوي على شيء في هذه الحياة إلاّ مفتاحَ بيته وخيمةً صغيرة ضمته مع أمه وإخوته إلى جانب ما لا يتسع له البصر الممتدّ من الخيام التي تحولت مع الأيام إلى بيوت من الصفيح؛ لتشكل مدينة أطلقوا عليها اسم "مخيّم المغازي".
كبر أبو محمّد وظلّت آماله كبيرة في يوم يعود فيه إلى بيته وحقله، وشكّل المفتاح عنده مفتاحاً للسعادة التي تدغدغ مخيلته على الدوام، ومرت عربة الزمن فوق أحلامه عام ستة وخمسين وكذلك عامَ سبعة وستين حيث مرّغت أحلامه بالتراب، وثلاثةٍ وسبعين، لكنها لم تقوَ على إطفاء الأمل لديه، خبّأ مفتاحه في كثير من المحن التي عصفت بأمة العرب، وكم من مرّة أوشك مفتاحُه أن يضيع، لكن الإرادة لدى أصحاب المفاتيح أقوى من النوائب والمصائب.
جاء خفافيش الظلام يوماً فوق غزّة وما حولها؛ ليجوّعوا من تبقى من أصحاب المفاتيح وأبنائهم وأبناء أبنائهم؛ ليقطفوا البسمة الصابرة التي يملكها أصحاب المفاتيح، بسمةً وهبها الله لبعض الناس الذين لا يعرفون اليأس والتراجع والخنوع، يدفعون بفلذات أكبادهم في سبيل بقاء البسمة تعلو الشفاه، وبصيصِ الأمل متّقداً.
حلّق الطيران في سماء قطاع غزّة دون أن يتخيّر أهدافاً ؛ لأن كلّ القطاع هدف مشروع لديه، وبدأ القصف، وتكوّر أبو محمد وزوجه وأطفاله الصغار إلى جانب أحفاده في زاوية من زوايا المنزل المتداعي أصلاً ؛ ليتّقي الجميع قسوة الغارات الإسرائيلية على مخيّم المغازي، أمّا أولاده الثلاثة الكبار فقد تركوه إلى جهة لا يعلمها بالتحديد، لكنّه متأكد أنهم يدافعون عن بقايا وطنهم الذي نُهِشت أطرافه من كلّ جانب وانتهك على مرّ السنين. أعطى أبو محمد توجيهاته للجميع من نساء وأطفال أن خُذوا حذركم وابقوا إلى جانب الجدران دائماً؛ لتتّقوا انهيار الأسقف من شدّة القصف، واهتزاز أركان البيت إن كانت له أركان، ساعات عصيبة من العويل والبكاء والصراخ توقف بعدها القصف وخرج الناس في الهزيع الأخير من التحمل والصبر يلمّون الجراح من جنبات المخيّم، ويضمّدون آلام بعضهم بعضاً، ولا مساعد لهم على خوفهم إلا رشقات أسلحة المقاومين التي يميزونها بدراية ومعرفة، ويطمئنّون من خلالها، ويتيقنون أنّ الأمور بخير، لا فرق إن كان من استشهد ابنَنا أو ابنَ جارنا، المهمّ أننا نسمع صوت أسلحتهم لنعرف أننا على قيد الحياة.
القناة الثانية
أطفال في عمر الورود تسابق أحلامهم خطواتهم الصغيرة وهم يمرحون في باحة مدرسة صلاح الدين الأيوبي في غزّة، لم يعرفوا مرارة الأيام التي عاشها أهلوهم في النكبة إلاّ من حكايا جداتهم، فتحوا عيونهم على حلم كبير كبير حلم العودة إلى فلسطين أرضهم القريبة البعيدة، لو تسلّلنا إلى أحاديثهم الخاصة لسمعناهم يقولون واحداً تلو الآخر:
· يقول والدي نحن من يافا: كنا نملك ييتاً جميلاً تحيط به أشجار الفاكهة من كلّ جانب ومازال مفتاحه لدينا.
· ويقول آخر: نحن من قرية النبعة قضاء صفد كما يحكي لنا جدي: بيتنا يقبع في أحضان بيارات البرتقال، وبقربه نبع عذب، يقول والدي: إنه من أعذب مياه الأرض.
· ويقول ثالث: يقول جدي: إنّنا من قرية العالية قرب القدس حيث تسدّ الأفق أشجار الزيتون؛ لتلتصق مع السماء في منظر ساحر.
يُقرع جرس المدرسة، ويصطفّ التلاميذ مع معلماتهم في طابور الصباح؛ ليردّدوا نشيد فلسطين كما اعتادوا كلّ صباح، كلّ يرفع صوته بغريزة لا يدري كنهها، إنّما يشعر بفرحة غامرة، ونشوة تساوي نشوة النصر كلّما عانق صوته عنان السماء. بالأمس لم ينم الطلبة من هول القصف، وعلى الرغم من ذلك فقد نسوا آلام الليل مع بزوغ نهار يوم جديد، بعد أن اعتادوا هذا النمط من الحياة.
دخل التلاميذ فصولهم مستبشرين بيوم لا دمار فيه، ثانيةٌ واحدة اقتلعت فيها قنبلة فوسفورية أحلام الطفولة من جذورها، وعُلّقت مظاهر العلم والبراءة على أسطح المنازل المجاورة، وانتشرت روائح الموت لتصبغ دنيا الطفولة بلون أحمر قانٍ يترجم آلام عقود من الزمن مصوّراً حلقة جديدة من مسلسلٍ تتابعت فصوله كل يوم، ولم ير العالمُ له نهايةً، ولم تُسدل ستارةُ مسرحيته بعد.
اجتُثت الطفولةُ كلها في لحظات، ولم يبق منها إلا أيتامٌ في شوارع غزّة يخافون من خفقات قلوبهم، ويرتعدون من رفّة رموش أعينهم، يهيمون على وجوههم باحثين عن بقايا أهلهم ووطنهم، ويحكون للقنوات التلفزيونية وحشية المعتدي، وأنّهم صامدون ومقاومون حتّى آخرَ فرد منهم.
القناة الثالثة
يتربع مشفى جنين الوطني فوق تلّ يراقب المدينة بحنو أمّ تراقب أطفالها وهم يلعبون، فإذا سقط أحد الأولاد أرضاً أو ألمّت به نائبة سارعت الأم لإسعافه بكل ما تملكه من إمكانات، وهي تربت على كتفه مطمئنة، حتّى صار المشفى ملاذاً لكلّ صاحب حاجة سواء أكان غنيّاً أم فقيراً، كبيراً أم صغيراً.
دخلت أم عائد المشفى بعد أن ألمّت بها آلام المخاض المباغت، ولم يجد أبو عائد موئلاً يلجأ إليه إلاّ مشفى جنين الوطني، حمل لها حقيبة صغيرة أعدّتها لهذه اللحظة، فيها أغراض تحتاجها كلّ امرأة تدخل المشفى في حالة الولادة، نهب الزوج الأرض نهباً بسيارة جاره التي استعارها، لأنه بانتظار عائد المولود الجديد الذي سمّاه به أهله وأصدقاؤه قبل أن يتزوج، دقائق ووصل المشفى، ساعتان من الزمن وكانت أم عائد مستلقية في غرفة جيّدة، ووليدها في سرير صغير مجاور تنظر إليه نظرة أنستها أشهر العذاب التسعة، وأبو عائد تغمره فرحة ملك معها الدنيا بما فيها، دخل طبيب الغرفة واطمأنّ على صحة الأم، وهنّأها على سلامة عائد وأخبرهما بأنه سيأخذ الطفل إلى مبنى مجاور ملحق بالمشفى؛ ليوضع في حاضنة خاصة بالخدّج بعض الوقت لأنه يشكو من بعض النقص الذي يمكن تداركه، سمح للأم بمغادرة المشفى في اليوم التالي، عندها بدأت الأم تتردّد يومياً على قسم الخدّج مع أبي عائد يرقبان صغيرهما بابتسامة الرضا على أمل نقل الطفل بعد أيام إلى بيتهما وهو متمتّع بالصحة الكاملة.
صبيحة يوم السبت أيقظت أم عائد زوجها منذ الصباح الباكر تحثّه على الإسراع في تجهيز نفسه؛ لأنها على موعد مع المشفى منذ يوم الخميس لاستلام عائد؛ ليكون ابنُها بين أحضانها على الدوام، ولن تفارقه بعد اليوم، خرجا من البيت، جريا في الشارع مسرعَيْن نحو بيت الجار؛ لأخذ سيارته، انطلقا بالسيارة نحو المشفى؛ ليجدا أمامهما هرج ومرج، ويشاهدا سدّاً منيعاً حال بينهما وبين عائد سدّاً عنصرياً مصطنعاً فرق بين الأب وأبنائه وربِّ الأسرة وحقله، ومزق المدينة إلى أشلاءٍ حرمت الولدَ من مدرسته والأمَ من وليدها، هذا السدّ أطلقوا عليه اسمَ الجدار العازل.
النتيجة
في غرفة بيضاوية من غرف بيت أبيض امتدّت من خلال الضوء الخافت يد لتعبث بشعر كلب مستلق عند قدمي صاحبه الذي لم تهزّ فيه المشاهد شعرة، يتثاءب الرجل في البيت الأبيض ويتمطّى مرات ومرات، ويمسك بيده الأخرى جهاز التحكم من بعد ويطفئ شاشة التلفاز قائلاً لزوجه: أين تقع غزّةُ، وجنين، ومخيم المغازي ؟... على العموم لامشكلة في ذلك هيّا؛ لننام.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق