الثلاثاء، 15 ديسمبر 2009

قصة قصيرة: الأصيص

الأصيص
العين 18/11/2008 د/أمان الدين محمد حتحات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في ليلة شتويّةِ القسمات أربعينيّة الملامح التفّ الأولاد والأحفاد حول أبي فهد الذي جلس في زاوية الغرفة المتواضعة قبالة مدفأة تلوّن لهيبها بألوان قوسُ قُزَح، وهو ملتفّ بفروة تحضُنه مع بعض أحفاده الذين انسلّوا إلى داخلها كما تنسلّ صغار القطط حول أمّها تتسقّّط الدفء وتبحث عن الحنان.
وصل أبو فهد إلى سن التقاعد منذ فترة، فقد فُطِم عن العمل لكنّه ما زال يجترّ أمجاده على الدوام ويستعرض صولاته وجولاته حين قضى شطراً كبيراً من سنيّ عمر عمله على الحدود السورية التركيّة، يعمل بإخلاص وتفان، ولا يمدّ يده لغير الحقّ لا يغريه مال ولا تضعفه قرابة، ولا يجفف عرقَ تعبه إلا الراتب الذي يتقاضاه نهاية كلّ شهر.
رفع أبو فهد عقيرته
[1] وهو يرمي لمن حوله بخلاصة تجربته الطويلة، الجميع ينصِت لهيبته، وجهارة صوته، وإيقاع كلماته التي تنقلنا إلى جوّ قصصه؛ لنعيشها لحظة بلحظة، وكأنّها صور تتمطّى وتتلاحق؛ لتنطق أمامنا.
من بين تجاعيد هضبة الأناضول ترنّحت حافلة الركاب تتهادى مثقلة بركابها الأربعين، وحمولتها التي تثقل كاهلها، الجميع نيام من وعثاء السفر، الأنوار مطفأة داخل الحافلة تدعو الجميع للنوم عدا السائق ومعاونه اللذين يتبادلان الأحاديث المتقطعة حين تتوقف أم كلثوم عن الشدو، ويبدأ جمهورها بقول الآه تِلوَ الآه.
كان الوقت يؤذن بيوم جديد تداعب فيه الشمس خجلى زجاج نوافذ الحافلة؛ لتسرق قبلات تطبعها على وجنات من بقي نائماً من الركاب، الجميع تململوا مستيقظين إلاّ الصغارَ الذين ارتموا في أحضان أهليهم يصارعون النوم فيصرعونه.
وقفت الحافلة خلف رتل السيارات الكبيرة تنتظر دورها الذي يحتاج زمناً ليس بقليل، لا سيّما أننا على أبواب إجازة الأعياد حيث يكثر المسافرون على جانبَيْ الحدود، وهم محمّلون بالبضائع والهدايا المتنوّعة، نزَل بعض الركاب من الحافلة يقضون حوائج كثيرة من طعام وشراب وغير ذلك من الأمور، والسائق ومعاونه لا يبرَحان الحافلة على الإطلاق فهما المسؤولان عن الحافلة وركابها وما يحملونه من أغراض متنوّعة.
أفرغت الحافلةُ ما في جوفها من الأغراض، صعدتُ مع زملائي نؤدي واجبنا في التفتيش والتدقيق متسلحين بالابتسامة حيناً والحزم أحياناً، ترافقنا الخبرة وتصحبنا الفِراسة في كلّ حال، نزَل معظم الركاب، وتحلّقوا حول الأغراض التي قلّما نفتحُها أو نعبثُ بمحتواها، لأنّ الكلاب المدرّبة كفيلة باختصار الزمن والنباح إذا استشعرت ما دُرّبت عليه من ممنوعات ولعلّ الحشيش أبرزُها.
كنت مغرماً على الدوام بتأمّل وجوه الناس وقت التفتيش؛ لأنّ ملامحهم تنبئ عن سريرتهم في غالب الأحيان، حاشا المحترفين منهم الذين عركتهم السنون فألفوا التضليل والخداع... وأنا أمارس هواية تصفّح ملامح المسافرين همهم الكلب بحركات تشير إلى أنّ بوصلته وجدت وجهتها، وعلينا أن نمكّنه بمزيد من الوقت؛ ليدرك الهدف، ويصوّبَ نحو الدريئة، إنّها أصيص فيه شجرة قَزَمَة نادرة تدخل في عداد الهدايا القيّمة، همهمات متتالية أعقبها نباح متصاعد عرفنا ـ نحن أصحابُ الخبرة ـ فكَّ رموزه وترجمة كلماته.
فإذا كان المهرّب متمكّناً فنحن أيضاً نملك من وسائل الدُّربة والممارسة ما يفتح بين الطرفين منافسة حامية الوطيس نخسر فيها حيناً، ونربح أحياناً. والتصرّف البدهيّ أن نتجه بالحديث نحو السائق الذي نعرفه، فهو ابن الخطّ ومتعاون، وذكيّ.
· لمن هذه الحقيبة السوداء الكبيرة يا أبا محمد؟
· يا شباب، من صاحب الحقيبة تلك؟
· أجاب أحدهم إنها لي، هل أفتحها؟
· لا، لا داعي إنه سؤال اعتياديّ.
· ولمن كيس البحّارة هذا؟
· إنه لي، هل أفتحه؟
· لا، لا داعي إنه سؤال اعتياديّ.
· ولمن أصيص الشجرة النادرة هذا؟ ولم يردّ أحد من الحاضرين.
· نادى أبو محمد، يا شباب من صاحب (شقف الزرع) كرّرها ثانية وثالثة والصوت يتصاعد، قفز المعاون إلى الحافلة؛ لينادي بعض النائمين.
· قلت له: يا الله يا شباب لن نؤخركم أكثرَ من ذلك.
شكرني السائق بلفافة تبغ اعتذرت لعدم أخذها، ولحقني إلى الغرفة لتوقيع الأوراق ودار بيننا حديث قصير جداً وانصرف.
دقائق تعاون فيها الجميع على إعادة الأغراض إلى الحافلة، وانطلقوا من جديد تغمرهم السعادة بالسفرة الميسّرة والحمد لله، غابت الحافلة بين أحضان تلال لفّت ساعديها حول حبيب جاء بعد طول سفر، وفي أحد المنعطفات حرنت الحافلة، وأبت أن تنقاد ذلولة لسائقها، نزَل السائق والمعاون، حاولا الإصلاح أكثر من مرّة دون جدوى، نزَل بعض المتطوّعين للمساعدة دون جدوى، أخرج السائق هاتفه متّصلاً بالشركة أن أرسلوا لنا فنّياً أو حافلة على وجه السرعة بما يكفل عدم تأخر الركاب، فجاءه الجواب بالإيجاب.
ساعةٌ من الزمن مضت توزّع فيها الركاب قريبين من الحافلة، صوت الحافلة الجديدة القادمة من بعيد يطرب الجميع وهي تتسلّق نحور التلال، لتكون قلادة تزيّن الصدر، ضحكت ملامح الجميع، واتّسعت ابتساماتهم وهم يتعاونون على إنزال الأغراض، وتحضيرها حين توقفت الحافلة المسعفة بعد مسافة من مركبتهم المصابة، تهامس أبو محمد مع السائق الجديد، ومعاونه، ثمّ جاء مهرولاً نحو الركاب وهو يصرخ حاثّاً الركاب على السرعة:
· يا الله يا جماعة، بسرعة لقد تأخّرنا، كلّ واحد ينقل أغراضَه إلى الحافلة التي هناك.
جرّ كبار السنّ حقائبهم الكبيرة، وحمل الآخرون أغراضهم وهداياهم، وانبرى من بين الصفوف شابّ ممشوق القامة حسن الهندام، واثق الخطوة، علّق كيس البحارة المكتنز على كتفه، وحمل أصيص الشجرة القَزَمَة، واتّجه نحو الحافلة الجديدة، فانقضّ عليه رجلا الأمن سائقُ الحافلة الجديدة، ومعاونه.



[1] من معانيها صوت القارئ والباكي والمغنّي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق