الثلاثاء، 15 ديسمبر 2009

قصة قصيرة: أمنية أب

أمنية أب
تشرين الأول 2009 الدكتور أمان الدين محمد حتحات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نادى أبو سعيد ابنه بصوت خفيت يحمل آلام الأيام الماضية القاسية، واتّكأ على عصاه التي رافقته منذ سنوات قليلة، فقد كان يتحسّس بها دربه؛ لتعوّضه عن بصره الذي فقده منذ الطفولة، أما الآن فقد غدت شريكة له في كل شيء بعد أن تمايلت فِقراته، وانحنى ظهره متمالياً تمايل فارس أصابه سهم فانحنى. حضن سعيد أباه، وأمسكه من إبطه إمساك أمّ لوليدها حين انبرى خطب يتهدّده، ساعد سعيد أباه في الجلوس على مَقعده الوثير في شرفة البيت الواسعة، فقد اعتاد أن يلجأ على الدوام إلى تلك الشرفة التي تطلّ على حديقة غنّاء في الطرف الثاني من الشارع حوت من الزهور أصنافاً، ومن الورد أشكالاً وألواناً، تترى فيها على مسامعه أصداح البلابل والعصافير، أسراباً تودّع أسراباً، وأبو سعيد ينسج سعادته على وقعها، ويخيط فرحته بأنامل البشر والطمأنينة، وخيوط الأمل التي أنعم الله بها على ابنه بعد حياة قاسية عاشها الجميع منذ سنوات خلت. بعد لحظات وصل فنجان قهوته الخاصّة التي ارتشفها بمُتعة ما بعدها متعة، وسعيد يجلس إلى جانب أبيه يَنْصِت إليه إنصات مريد ينهل على الدوام من نصائح شيخه، فلا يخالف له أمراً، ولا يراجعه في أي شأن من الشؤون.
ألقى أبوسعيد بفكره ردحاً من الزمن، إلى عقود ولّت إلى غير رجعة، عندما سحبت السعادة بساطها من تحت أرجل العائلة، فغدا الكفاف يغلّف عيش الكفيف من كل جانب، منذ أن نبتت بواكير عمره الأولى، وطوق النجاة معقود على دكان صغيرة تؤمن له، ولزوجه وابنه الوحيد قوت يومهم يوماً بيومٍ. رأى أبو سعيد بابنه عينين يبصر من خلالهما الحياة، وكفّين يتلمس بهما سبل العيش، ومعقِداً للأمل يقيه عثراتِ الأيام، وكلَمات السنين، ورأى سعيد بأبيه ملاذاً يودع فيه كنوز الرضا والوفاء، وردّاً على الزمن بجَوْره وغدره، وأمنيةً في أن يردّ الدين لأبيه، وأن يجعل خاتمة حياته سعيدة بما يشتهي الأبُ؛ ليمسح عن جبهته أرْزاءَ الزمن.
· هل تذكر يا بنيّ تلك الأيام العصيبة التي مرّت بنا؟ كيف كنا نقاوم الجوع، ونتحدّى المرض بفقرنا؛ لأننا لانملك طعاماً نسدّ به رمقنا ولا يهنأ قرش في جيبنا لنزور به طبيباً، نعم تحدينا بعَوَزنا عادياتِ الزمن، وبصبرنا عليها قهرنا نوائبَ الأيام إلى أن منّ الله عليك، وكبرت، وتحقّقت أحلامك.
· نعم يا والدي.
· هل تذكر بيتنا القديم في ذلك الحيّ العشوائي المتطرّف الذي يكاد يلامس شرفتنا فيه جدار إسمنتيّ لجيراننا يمنع عنّا الهواء العليل، ولولاك ما استطعت أن أرسم في مخيلتي صور الحياة التي تحيط بي، وأتعايش مع هذه الأيام.
· نعم يا والدي.
· هلاّ تذكرت عندما كنتَ يافعاً تجثو أمامي، وتخفّفُ عني قساوة الفقر، وجبروتَ الأيام وقتامة السنين، وتبكي إذا شبّهني الناس برهين المحبِسَيْن، ويطول بكاؤك وأنت تعدني بأنك ستحلحل عني ظُلامات الأيام، وأنك ستنقلني إلى بيت فيه الرفاهية تتنامى في كلّ زاوية من زواياه، وتعوضُني عن المحبسين.
· نعم يا والدي.
· الحمد لله الذي مكّنك من تنفيذ شطر من وعدك إذ أبهجتني، ونقلتني إلى بيت فاخر، غرفة نومي فيه من أجود أنواع الخشب المحفور، كلّما أويت إليها، ورأيت تفاصيلها بملمس يديّ تذكرت الأرض التي كنت أفترشها قبل زمن، لقد خصّصتَ لي حماماً فاخراً يذكرني بأيام كنت لا أعرف فيها طريقاً أتقي به لسعات البرد المتسلل من فتحات باب حمّامنا السابق، بالإضافة إلى شرفة قُبالة حديقة لاعهد لنا بها، تعبَق بروائح الفلّ والياسمين من خلالها، وأتنشّق منها نسماتٍ عليلةً نقيّةً تشحنني بالسعادة وتزيدني عزيمة وصحّة، (تحدّث أبو سعيد، وأصابع يديه الاثنتين تتحسس الكرسيّ الوثير الذي حُفِرَ على مِسنَدَيه تمثالان صغيران لحصانين يترجمان أمنية دفينة طالما تمنّى أن تتحقّق ـ ولن تتحقّق ـ في أن يكون فارساً).
· نعم يا والدي أذكر كلّ ذلك.
· على كلّ حال يا بنيّ، ها قد أزِف موعد تحقيق الأماني.
· نعم يا والدي كلّها أيام ويحين موعد إجراء العملية الجراحية لعينيك، وكما شرحت لك إنّ ابن جيراننا المشاغب الذي كان يلعب أمام دكاننا، صار طبيباً مشهوراً طبّقت شهرته الآفاقَ، وسيجري لك العملية بنفسه، ونسبة النجاح كبيرة بإذن الله يا والدي...ستبصر الدنيا على حقيقتها، نعم ستبصر.
رفع أبو سعيد كفيه إلى السماء متضرّعاً، وقد حبست أهداب عينيه دموعاً أبت أن تنزل إلاّ إذا كانت دموعَ فرح بنجاح العملية الجراحية، عندها تتحقّق الأمنيات كلّها، ويفي سعيد بوعوده التي قطعها على نفسه حين كان يافعاً.
مرّت أيام عبثت فيها أصابع الجرّاح بعينيّ أبي سعيد، وهو صامد في محنته، شجاع في حربه مع آخر حِصن من حصون أعدائه، وهو يقول في قرارة نفسه: لِمَ الخوف من الجراحة؟ و...أنا الغريق فما خوفي من البلل.
ها هو ذا أبو سعيد في المشفى يحيط به الطبيب ومساعدوه، وأمّ سعيد، وابنه سعيد، وتحلّق فوق رؤوسهم قلوب محبيه الذين لم يعرف صورتهم قطّ، بل أحبهم من صوتهم
والسمع أوقع في روح الحبيب إذا نادى الحبيب وكان القلب مشغوفا
...فكّ الطبيب لغز العمى لأبي سعيد، وتسلل الضوء إلى عينيه، ليجتمعا بعد عمر من القطيعة بينهما، وتلفّت حوله؛ ليرى مفاتيح أحلامه التي تحققت، الطبيبَ والزوجةَ وابنهَ سعيداً... صرخ بأعلى صوته كالمأفون فرحاً مستبشراً شاكراً ربّه على هذه النعمة، شادّاً على يد ابنه بحرارة، وهم يغادرون المشفى ويركبون السيارة التي ستقلّهم إلى البيت، وأبو سعيد يتلفّت يمنة ويسرة، ليربط لأول مرّة بين الصوت والصورة، ويعيدّ ترتيب المشاهد، والتعرّف على من حوله من جديد.
رقصت السيارة بأصحابها في كلّ شارع مرّت به، وزغردت مع كلّ زُقاق عبرت من خلاله هذا الحيّ العشوائي، وصعد الجميع درج بيت بسيط، وأبو سعيد يحبس في طياته سؤالاً لم يطرحه على أحد: أين نذهب، في هذا الحيّ المتطرّف المتواضع؟ هل يذكرونني بفقرنا القديم؛ لأزداد سعادة؟ ولماذا يأخذونني إلى هذا المكان في أوّل صلح أعقده في حياتي مع هذا الضوء؟ دخل الجميع باب البيت، وهو يجول الطرف متلفّتاً في أرجائه، ليلمح غرفةَ نوم من أجود أنواع الخشب المحفور، وشرفةً صغيرة يكاد يلامسها جدار إسمنتيّ للجيران يمنع عن الشرفة الهواء العليل، ومروحةً بسيطة تتّكئ على طاولة صغيرة في زاوية الشرفة تتصدّق على الجالسين ببعض النسمات، يعلوها قفص كبير فيه عصافير وبلابل متنوعة تصدح على الدوام، وكرسي وثير حُفِرَ على مِسنديه تمثالان صغيران لحصانين، وأمام الكرسي دورق كبير حوى من الورد المشترى كلّ يوم أصنافاً، وأشكالاً، وألواناً تعبَق من خلالها روائح الفلّ والياسمين، عندها نظر أبو سعيد إلى ابنه نظرة تختزل المعانيَ كلّها، وهزّ رأسه بسعادة المدرك لما جرى، وانسلّت من خلف أهداب عينيّه دمعة حبيسة كانت تأبى النزول إلاّ في يوم الفرح.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق