حادث مروري
د/أمان الدين محمد حتحات
د/أمان الدين محمد حتحات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جلست خلف مكتبي عصراً ألملم أوراقي المتناثرة في حقيبتي التدريسية حيث اعتدتُ أن أرمي فيها مخلفات العمل اليومي؛ لأرتّبها ثانية في اليوم ذاته... سُنّة العمل، ومستلتزماتُه أن أجمعَ وأفرّق، أو أفرّق وأجمع من جديد، حتى تعوّدت الحقيبة اجترار نفسها كما تجترّ الأيام ساعاتها والساعات دقائقها وهكذا دواليك...
نظّمت أموري؛ لأتفرّغ لدعوة الإفطار عند جواد أحد أصدقائنا بعيداً عن الأسرة التي تغيظها كثيراً دعوات الإفطار الذكريّة؛ لأنّها تبعد الأب عن أولاده في جلسة حميميّة يوفرها لنا شهر رمضان دون سائر أشهر السنة، يضاف إلى ذلك أنّ ما يتبع الطعام من أحاديث ومناقشات تمتدّ ساعات يُلْزِمني السّهرَ؛ لأنّني معتاد أن أخلو لنفسي وتلفازي في الليل حتى يغالبَني النعاس.
لبست على عجل بعد أن شعرت أن الوقت قد أزف، ومازال أمامي أن أمرّ بيت صديقي عادل الذي اعتدت مرافقته في مثل هذه المناسبات، وأنا المعروف لدى الجميع بمحافظتي على الوقت والالتزام بالموعد إن لم يعقني عن ذلك أمر جلل.
كان عادل ينتظرني أمام بيته حريصاً مثلي على عدم التأخّر عن الموعد مع جواد، فالمسافة إلى منزله بعيدة والشوارع مكتظّة، والسيارات مسرعة إلى حدّ التهوّر.
بادرني بالسؤال:
ـ ما الطريق التي سنسلكها حتّى لا نتأخّر؟
ـ يبدو أنّنا سنذهب من طريق خارجية متفادين ازدحام السيارات في وسط
المدينة.
نهبت الأرض مسرعاً محاولاً الوصول في الوقت المحدّد، اتّجهت صوب مدخل البريمي[1] الجنوبي، وهو مدخل مخصّص لأبناء دول مجلس التعاون الخليجي، وهدفي كان الوصولَ إلى منطقة الكويتات[2]، الشوارع واسعة، ومخطّطة، ومنظّمة، وبما أنّ النظام في مدينة العين مميّز، وكلّ السيارات تلتزم بمسارها الذي اختارته وفق الأنظمة الدولية المعمول بها فقد التزمت المسرب الأيمن تاركاً المسربين الأوسط والأيسر لأنّهما مخصّصان لمن يريد الانعطاف يساراً إلى البريمي أو يتابع سيره إلى الأمام.
التزمت اليمين، و ( يا مستعجل وقف أقلّك )، تمهلت على مضض لمّا رأيت السيارات تتهادى أمامي ببطء في مسربي، وتتوقف؛ لتضيء إشارات التنبيه الصفراء، عندها أدركت وصديقي عادلاً أنّ ما خشيته قد وقع، والحادث المروري كبير جداً جعل السائقين يتوقّفون منبّهِين مَنْ وراءهم لأخذ الحذر والحيطة.
ـ ماذا ترى يا عادل.
ـ ألم أقل لك: إنّ إحصاءات المرور تشير إلى أن أكثر حوادث المرور تكون قُبَيْل المغرب، لا سيّما في شهر رمضان، يا أخي على مهلك، ووصولنا متأخرين خير من عدم وصولنا.
ـ حسناً سألتزم مسربي الأيمن، فنحن لسنا أفضل من الآخرين.
مرت دقائق طويلة أضاءت خلالها الإشارة الخضراء عدّة مرات، وسارت السيارات كلّها عدا جماعة اليمين، مددت رأسي من النافذة وزرعت ناظريَّ في تجمّعهم، فلم أحصد سوى الخيبة، والغموض، وجدتني ألمح الناس جماعات جماعات، يجيؤون ويروحون على عجل وجلبة، حتى إنّ سيارات طريق الإياب وقفت أيضاً في يمين طريقها، ونزل سائقوها منها، وهذه عادة شائعة عند رؤية أيّ حادث، يدفع الفضولُ أصحابها إلى حبّ الاطّلاع والنظر إلى مصائب الآخرين على الرّغم من ظروف الشهر الكريم، مستغلّين فرصة أنّ رجال الشرطة لم تأتوا بعدُ.
بدأت أقلق وصديقي، ترجّلنا من سيارتنا نروم خلاصاً ممّا نحن فيه دون أن نخالف السير، سرنا نحو التجمّع؛ لنحث الناس على التصرّف، والتسامح ، وتناسي الحادث أواستعجال طلب الشرطة، سرنا، وسرنا...خلال هذا التوقّف القسريّ شاهدَنا بعض الأصدقاء الذين يعبرون بسياراتهم من طريق الإياب، ورفعوا أيديهم مُلْقِيْن بالتحية علينا من بعيد، وعلى عجل، ولقينا كذلك بعض الطلاب في سياراتهم، وأشاروا لنا بالتحيّة أيضاً، قطعنا مسافة شعرنا أنّها طويلة جداً رأينا خلالها عشراتِ السيارات كلُّها واقفة في الرتل الأيمن من الطريق، وسيارتنا تقبع خانعة في المؤخرة، واقتربت من أول جمع صادفني دون أن يكترث بنا أحد منهم، استلطفت أحدهم، وسألته: ما الذي يحدث يا أخي؟ فقال على عجل دون أن يكلّف نفسه عناء الالتفات : ألا ترى أنّ الناس محتشدون عند بيت أحد المحسنين؛ ليأخذوا نصيبهم من طعام الإفطار؟!!
[1] مدينة تقع في سلطنة عمان، وهي ملاصقة لمدينة العين الإماراتية
[2] حيّ من أحياء مدينة العين
جلست خلف مكتبي عصراً ألملم أوراقي المتناثرة في حقيبتي التدريسية حيث اعتدتُ أن أرمي فيها مخلفات العمل اليومي؛ لأرتّبها ثانية في اليوم ذاته... سُنّة العمل، ومستلتزماتُه أن أجمعَ وأفرّق، أو أفرّق وأجمع من جديد، حتى تعوّدت الحقيبة اجترار نفسها كما تجترّ الأيام ساعاتها والساعات دقائقها وهكذا دواليك...
نظّمت أموري؛ لأتفرّغ لدعوة الإفطار عند جواد أحد أصدقائنا بعيداً عن الأسرة التي تغيظها كثيراً دعوات الإفطار الذكريّة؛ لأنّها تبعد الأب عن أولاده في جلسة حميميّة يوفرها لنا شهر رمضان دون سائر أشهر السنة، يضاف إلى ذلك أنّ ما يتبع الطعام من أحاديث ومناقشات تمتدّ ساعات يُلْزِمني السّهرَ؛ لأنّني معتاد أن أخلو لنفسي وتلفازي في الليل حتى يغالبَني النعاس.
لبست على عجل بعد أن شعرت أن الوقت قد أزف، ومازال أمامي أن أمرّ بيت صديقي عادل الذي اعتدت مرافقته في مثل هذه المناسبات، وأنا المعروف لدى الجميع بمحافظتي على الوقت والالتزام بالموعد إن لم يعقني عن ذلك أمر جلل.
كان عادل ينتظرني أمام بيته حريصاً مثلي على عدم التأخّر عن الموعد مع جواد، فالمسافة إلى منزله بعيدة والشوارع مكتظّة، والسيارات مسرعة إلى حدّ التهوّر.
بادرني بالسؤال:
ـ ما الطريق التي سنسلكها حتّى لا نتأخّر؟
ـ يبدو أنّنا سنذهب من طريق خارجية متفادين ازدحام السيارات في وسط
المدينة.
نهبت الأرض مسرعاً محاولاً الوصول في الوقت المحدّد، اتّجهت صوب مدخل البريمي[1] الجنوبي، وهو مدخل مخصّص لأبناء دول مجلس التعاون الخليجي، وهدفي كان الوصولَ إلى منطقة الكويتات[2]، الشوارع واسعة، ومخطّطة، ومنظّمة، وبما أنّ النظام في مدينة العين مميّز، وكلّ السيارات تلتزم بمسارها الذي اختارته وفق الأنظمة الدولية المعمول بها فقد التزمت المسرب الأيمن تاركاً المسربين الأوسط والأيسر لأنّهما مخصّصان لمن يريد الانعطاف يساراً إلى البريمي أو يتابع سيره إلى الأمام.
التزمت اليمين، و ( يا مستعجل وقف أقلّك )، تمهلت على مضض لمّا رأيت السيارات تتهادى أمامي ببطء في مسربي، وتتوقف؛ لتضيء إشارات التنبيه الصفراء، عندها أدركت وصديقي عادلاً أنّ ما خشيته قد وقع، والحادث المروري كبير جداً جعل السائقين يتوقّفون منبّهِين مَنْ وراءهم لأخذ الحذر والحيطة.
ـ ماذا ترى يا عادل.
ـ ألم أقل لك: إنّ إحصاءات المرور تشير إلى أن أكثر حوادث المرور تكون قُبَيْل المغرب، لا سيّما في شهر رمضان، يا أخي على مهلك، ووصولنا متأخرين خير من عدم وصولنا.
ـ حسناً سألتزم مسربي الأيمن، فنحن لسنا أفضل من الآخرين.
مرت دقائق طويلة أضاءت خلالها الإشارة الخضراء عدّة مرات، وسارت السيارات كلّها عدا جماعة اليمين، مددت رأسي من النافذة وزرعت ناظريَّ في تجمّعهم، فلم أحصد سوى الخيبة، والغموض، وجدتني ألمح الناس جماعات جماعات، يجيؤون ويروحون على عجل وجلبة، حتى إنّ سيارات طريق الإياب وقفت أيضاً في يمين طريقها، ونزل سائقوها منها، وهذه عادة شائعة عند رؤية أيّ حادث، يدفع الفضولُ أصحابها إلى حبّ الاطّلاع والنظر إلى مصائب الآخرين على الرّغم من ظروف الشهر الكريم، مستغلّين فرصة أنّ رجال الشرطة لم تأتوا بعدُ.
بدأت أقلق وصديقي، ترجّلنا من سيارتنا نروم خلاصاً ممّا نحن فيه دون أن نخالف السير، سرنا نحو التجمّع؛ لنحث الناس على التصرّف، والتسامح ، وتناسي الحادث أواستعجال طلب الشرطة، سرنا، وسرنا...خلال هذا التوقّف القسريّ شاهدَنا بعض الأصدقاء الذين يعبرون بسياراتهم من طريق الإياب، ورفعوا أيديهم مُلْقِيْن بالتحية علينا من بعيد، وعلى عجل، ولقينا كذلك بعض الطلاب في سياراتهم، وأشاروا لنا بالتحيّة أيضاً، قطعنا مسافة شعرنا أنّها طويلة جداً رأينا خلالها عشراتِ السيارات كلُّها واقفة في الرتل الأيمن من الطريق، وسيارتنا تقبع خانعة في المؤخرة، واقتربت من أول جمع صادفني دون أن يكترث بنا أحد منهم، استلطفت أحدهم، وسألته: ما الذي يحدث يا أخي؟ فقال على عجل دون أن يكلّف نفسه عناء الالتفات : ألا ترى أنّ الناس محتشدون عند بيت أحد المحسنين؛ ليأخذوا نصيبهم من طعام الإفطار؟!!
[1] مدينة تقع في سلطنة عمان، وهي ملاصقة لمدينة العين الإماراتية
[2] حيّ من أحياء مدينة العين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق