شجرة التوت
23ـ3ـ2009 د / أمان الدين محمد حتحات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جلس الحاج "أبو كريم" خلف باب سطح منزله الخشبيّ المتشقّق المترنّح من وطأة السنين، ومن تعاقب الأنواء عليه تماماً كحال صاحبه أبي كريم الذي عاش الحياة بمرارتها حتّى اضمحلّت أيامه السعيدة، وتقطّعت الحبال بينه وبين الفرح منذ زمن طويل، فلم يبق له؛ ليسليه في الهزيع الأخير من عمره إلاّ تلك الحمامات بنّية اللون "حمام مكّة" كما يسمّونها، فهي تتشابه وتُستنسخ، على النقيض من الحمام الذي يُرَبّى على أسطح المنازل، وله أسماؤه، وأشكاله، وأثمانه، كما أنّ له مشاكله الكثيرة.
بدا أبو كريم متوتّراً وهو يقعد القرفصاء، فهو على موعد للّقاء مع الحمامات التي لم يسبق له أن تعرّفها، ولم يزقّها، ولم يرْعَها، حتّى إنّه لم يشتر واحدة منها بل ساقتها الأقدار إلى سطح منزله المتواضع، متغنّية بقول الشاعر:
يسقط الطير حيث ينتثر الحَـــــــــبّ وتُغشى منازلُ الكرماء
تكوّر أبو كريم وهو يلتفّ بمعطفه القديم، فأوصاله لا تقوى على مقاومة برد "المربعينيّة"، وهو صاحب الجسم النحيل الذي لا يجد البردُ فيه ما يحول دون التغلغل إلى نِقْيِ عظامه التي تفخّرت منذ زمن ليس بقريب، ومع ذلك ظلّ على عهده مع الحمامات كان قد قطعه لها على الوفاء الدائم المستمرّ بأن يقدّم لها خبزاً يابساً، وفضلات طعام من رز، أو برغل، أو غير ذلك مما تجود به مائدة طعامه المتواضعة، فلم ينقطع حرصه على استقبال الحمام على الرغم من كثرتها التي تتنامى شهراً بعد شهر من خلال كمّ ما تستهلكه من مائدته العامرة على الدوام.
مازال أبو كريم ينتظر "كشّة الحمام" لعلّها "تُهدّي"؛ لترتاح وتأكل وتشرب... يبدو أنها تأخرت، أو شغلها شاغل (قال في سرّه)، فالخوف الأكبر الذي راوده هو حصولها على مكان أكثر غذاء من مائدته، عندها ستذهب دون عودة، وكذلك إذا نالت منها أذيّةُ أولاد الحارة الذين أدمنوا محاولة اصطيادها بوسائلهم المتعدّدة، على الرغم من حرمانية صيدها كما يعتقد الجميع.
تثاقل جفناه واسترخيا على عينين جاحظتين تقبعان فوق وجهٍ حفرت معاول الأيّام تجاعيده، فغدا شاحباً يحكي تاريخاً طويلاً يخفي أكثر ممّا يظهر، قفز به شريط الذكريات إلى عَقْد من الزمن يوم أطلت برأسها نبتة صغيرة بمحاذاة جدار بيته، سرعان ما كشفت اللثام عن مشروع شجرة توت لم يدر أحد كيف زُرعت؟، ولا كيف ترعرعت، واستوى عودها؟ الأمر الذي شجع أبا كريم على الاعتناء بها ورعايتها، وتبنيها من عبث العابثين. طالت الشجرة، وكبرت مع كِبَر فرحة صاحبها، وأورقت، ثمّ طرحت التوت في مَقْدَم كلّ ربيع، فأكل منه وأسرتَه هذا النتاج، شمخت الشجرة حتى علت سطح منزل أبي كريم القابع في الطابق الثاني، ثمّ ما لبثت أن مالت بحنان؛ لتلامس جدار السطح رامية بظلها فوقه مُضْفِِية على أبي كريم وأسرتِه سعادةً طال انتظارها؛ لأنها كبرت مع أولاده، وصار بينها وبينهم خبز وملح، سقوها، وحموها، فأعطتهم التوت بيسر فوق سطح منزلهم.
تبسّم الغافي متذكّراً أم كريم التي تشارك زوجها عشقه، وولهه، فهي تحثّه على وضع الطعام للحمام، وتساعده في تكريم ضيوفه، ولعلّ تحضير الوجبة لهم يحتاج إلى طريقة يسيرة عرفتها مع الممارسة من خلال تقطيع الخبز، أو تكسيره، ثمّ بلّه بالماء.
ما شاء الله يا أبا كريم لقد كثر الحمام كثيراً، فقد كنّا نقدم لها ما يفيض من خبزنا كل يومين مرّة،أماّ الآن..
(قاطعها زوجها) هذه سنّة الكون، ألم نكثر نحن كذلك؟ كناّ أنا وأنت في البيت، واليومَ صار أولادنا خمسةً (بعينين العدو).
هذا من حظ الحمام، فالأولاد يرمون كثيراً من الخبز والأكل، كما أنهم يساعدونك في إحضار الخبز اليابس من عند الجيران والمعارف.
اتركيها على الله يا أم كريم، لا أكتمك سراً إذا قلت لك: إن بعض الناس صاروا يقدمون لي الخبز دون أن أطلبه منهم، وفي بعض الأحايين كنت أشتري بعض الأرغفة وأصعد خلسة إلى السطح؛ لأضعها للحمام، كلّه بثوابه إن شاء الله.
يصحو أبو كريم من غفوته وأحلامه، وينظر من خلال شقوق باب السطح الخشبي ثانية بطرف عينه إلى الساحة التي غفت عليها شجرة التوت، مركّزاً نظره على المنطقة التي اعتاد أن يضع فيها سَماطَ طعام الحمام، فكلّ أمله أن يظفر بلقاء أحبّته.
نادته زوجه مراراً ليأكل، وأرسلت إليه كريماً لحثّه على النزول دون جدوى، فقد تحمّل قساوة البرد وشدّته في سبيل اللقاء مع مخلوقات عايشها وكبّرها دون أن يعرف واحداً منها فكلّها متشابهة، وكلّها تحوم فوق منزله، لقد عشق أسراب حمام مكّة بلونها البنّيّ المميّز المتشابهِ حتّى إنه كلّما رأى حمامات تحوّم في السماء قال لأولاده مفتخراً:
انظروا هذه حماماتنا، لاحظوا كم هي سمينة!!!
الفضل لنا يا بابا ألسنا نساعدك في جمع الخبز والطعام، ونطرد القطط التي تقترب من بيتنا، بل من شارعنا؟...ويضحك الجميع ضحكة بريئة سعيدة.
بعد أن تنشّط أبو كريم حدّثته نفسه بأن يشعل سيجارة تاقت إليها نفسه، لتقطع عليه وَحْشته ، وتخفّفَ من ضجره، لكنّه آثر التريث، خوفاً من عدم مجيء الحمامات، إذا استشعرت بأيّ خطر، أو صوت، لاسيّما أنها لا تعرف مطعمها كذلك، ولم تأنسْه، على عكس الحمام في كثير من البلاد حيث تقف فيها هذه المخلوقات على أكفّ الناس ورؤوسهم... وعلى الرغم من ذلك صمّم على إنهاء المهمة؛ ليكحّل عينيه برؤيتها، ويحصد النصر نصر الإطعام والتسمين والتكاثر الذي جعله عاجزاً عن مواكبة ذرّيتها، و سدّ رمقها.
فرك أبو كريم عينيه بكمّ معطفه، وأعقبها بلفّاحته بفركة أخرى دون أن ينبِسَ ببنتِ شفة... عدّل جِلسته بعد أن لمح مجموعة منها بلونها البنيّ الجميل وقد شرعت بالأكل، ورأى ثلّة أخرى بدأت تتدحرج متهادية من أغصان شجرة التوت التي تلامس السطح، وتزاحمت الكوكبة على الأكل بحركة دؤوب مطرقة رأسها في طعامها، وكأنّه أمام ثورة الجياع، وقد وقعوا على طعام بعد طول غياب...ياالله ... نادى بأعلى صوته عندما رأى قطيعاً من الجرذان التي اعتادت منذ سنوات طويلة تسلّق شجرة التوت؛ لتتناول وجبتها المعتادة من مائدة أبي كريم.
23ـ3ـ2009 د / أمان الدين محمد حتحات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جلس الحاج "أبو كريم" خلف باب سطح منزله الخشبيّ المتشقّق المترنّح من وطأة السنين، ومن تعاقب الأنواء عليه تماماً كحال صاحبه أبي كريم الذي عاش الحياة بمرارتها حتّى اضمحلّت أيامه السعيدة، وتقطّعت الحبال بينه وبين الفرح منذ زمن طويل، فلم يبق له؛ ليسليه في الهزيع الأخير من عمره إلاّ تلك الحمامات بنّية اللون "حمام مكّة" كما يسمّونها، فهي تتشابه وتُستنسخ، على النقيض من الحمام الذي يُرَبّى على أسطح المنازل، وله أسماؤه، وأشكاله، وأثمانه، كما أنّ له مشاكله الكثيرة.
بدا أبو كريم متوتّراً وهو يقعد القرفصاء، فهو على موعد للّقاء مع الحمامات التي لم يسبق له أن تعرّفها، ولم يزقّها، ولم يرْعَها، حتّى إنّه لم يشتر واحدة منها بل ساقتها الأقدار إلى سطح منزله المتواضع، متغنّية بقول الشاعر:
يسقط الطير حيث ينتثر الحَـــــــــبّ وتُغشى منازلُ الكرماء
تكوّر أبو كريم وهو يلتفّ بمعطفه القديم، فأوصاله لا تقوى على مقاومة برد "المربعينيّة"، وهو صاحب الجسم النحيل الذي لا يجد البردُ فيه ما يحول دون التغلغل إلى نِقْيِ عظامه التي تفخّرت منذ زمن ليس بقريب، ومع ذلك ظلّ على عهده مع الحمامات كان قد قطعه لها على الوفاء الدائم المستمرّ بأن يقدّم لها خبزاً يابساً، وفضلات طعام من رز، أو برغل، أو غير ذلك مما تجود به مائدة طعامه المتواضعة، فلم ينقطع حرصه على استقبال الحمام على الرغم من كثرتها التي تتنامى شهراً بعد شهر من خلال كمّ ما تستهلكه من مائدته العامرة على الدوام.
مازال أبو كريم ينتظر "كشّة الحمام" لعلّها "تُهدّي"؛ لترتاح وتأكل وتشرب... يبدو أنها تأخرت، أو شغلها شاغل (قال في سرّه)، فالخوف الأكبر الذي راوده هو حصولها على مكان أكثر غذاء من مائدته، عندها ستذهب دون عودة، وكذلك إذا نالت منها أذيّةُ أولاد الحارة الذين أدمنوا محاولة اصطيادها بوسائلهم المتعدّدة، على الرغم من حرمانية صيدها كما يعتقد الجميع.
تثاقل جفناه واسترخيا على عينين جاحظتين تقبعان فوق وجهٍ حفرت معاول الأيّام تجاعيده، فغدا شاحباً يحكي تاريخاً طويلاً يخفي أكثر ممّا يظهر، قفز به شريط الذكريات إلى عَقْد من الزمن يوم أطلت برأسها نبتة صغيرة بمحاذاة جدار بيته، سرعان ما كشفت اللثام عن مشروع شجرة توت لم يدر أحد كيف زُرعت؟، ولا كيف ترعرعت، واستوى عودها؟ الأمر الذي شجع أبا كريم على الاعتناء بها ورعايتها، وتبنيها من عبث العابثين. طالت الشجرة، وكبرت مع كِبَر فرحة صاحبها، وأورقت، ثمّ طرحت التوت في مَقْدَم كلّ ربيع، فأكل منه وأسرتَه هذا النتاج، شمخت الشجرة حتى علت سطح منزل أبي كريم القابع في الطابق الثاني، ثمّ ما لبثت أن مالت بحنان؛ لتلامس جدار السطح رامية بظلها فوقه مُضْفِِية على أبي كريم وأسرتِه سعادةً طال انتظارها؛ لأنها كبرت مع أولاده، وصار بينها وبينهم خبز وملح، سقوها، وحموها، فأعطتهم التوت بيسر فوق سطح منزلهم.
تبسّم الغافي متذكّراً أم كريم التي تشارك زوجها عشقه، وولهه، فهي تحثّه على وضع الطعام للحمام، وتساعده في تكريم ضيوفه، ولعلّ تحضير الوجبة لهم يحتاج إلى طريقة يسيرة عرفتها مع الممارسة من خلال تقطيع الخبز، أو تكسيره، ثمّ بلّه بالماء.
ما شاء الله يا أبا كريم لقد كثر الحمام كثيراً، فقد كنّا نقدم لها ما يفيض من خبزنا كل يومين مرّة،أماّ الآن..
(قاطعها زوجها) هذه سنّة الكون، ألم نكثر نحن كذلك؟ كناّ أنا وأنت في البيت، واليومَ صار أولادنا خمسةً (بعينين العدو).
هذا من حظ الحمام، فالأولاد يرمون كثيراً من الخبز والأكل، كما أنهم يساعدونك في إحضار الخبز اليابس من عند الجيران والمعارف.
اتركيها على الله يا أم كريم، لا أكتمك سراً إذا قلت لك: إن بعض الناس صاروا يقدمون لي الخبز دون أن أطلبه منهم، وفي بعض الأحايين كنت أشتري بعض الأرغفة وأصعد خلسة إلى السطح؛ لأضعها للحمام، كلّه بثوابه إن شاء الله.
يصحو أبو كريم من غفوته وأحلامه، وينظر من خلال شقوق باب السطح الخشبي ثانية بطرف عينه إلى الساحة التي غفت عليها شجرة التوت، مركّزاً نظره على المنطقة التي اعتاد أن يضع فيها سَماطَ طعام الحمام، فكلّ أمله أن يظفر بلقاء أحبّته.
نادته زوجه مراراً ليأكل، وأرسلت إليه كريماً لحثّه على النزول دون جدوى، فقد تحمّل قساوة البرد وشدّته في سبيل اللقاء مع مخلوقات عايشها وكبّرها دون أن يعرف واحداً منها فكلّها متشابهة، وكلّها تحوم فوق منزله، لقد عشق أسراب حمام مكّة بلونها البنّيّ المميّز المتشابهِ حتّى إنه كلّما رأى حمامات تحوّم في السماء قال لأولاده مفتخراً:
انظروا هذه حماماتنا، لاحظوا كم هي سمينة!!!
الفضل لنا يا بابا ألسنا نساعدك في جمع الخبز والطعام، ونطرد القطط التي تقترب من بيتنا، بل من شارعنا؟...ويضحك الجميع ضحكة بريئة سعيدة.
بعد أن تنشّط أبو كريم حدّثته نفسه بأن يشعل سيجارة تاقت إليها نفسه، لتقطع عليه وَحْشته ، وتخفّفَ من ضجره، لكنّه آثر التريث، خوفاً من عدم مجيء الحمامات، إذا استشعرت بأيّ خطر، أو صوت، لاسيّما أنها لا تعرف مطعمها كذلك، ولم تأنسْه، على عكس الحمام في كثير من البلاد حيث تقف فيها هذه المخلوقات على أكفّ الناس ورؤوسهم... وعلى الرغم من ذلك صمّم على إنهاء المهمة؛ ليكحّل عينيه برؤيتها، ويحصد النصر نصر الإطعام والتسمين والتكاثر الذي جعله عاجزاً عن مواكبة ذرّيتها، و سدّ رمقها.
فرك أبو كريم عينيه بكمّ معطفه، وأعقبها بلفّاحته بفركة أخرى دون أن ينبِسَ ببنتِ شفة... عدّل جِلسته بعد أن لمح مجموعة منها بلونها البنيّ الجميل وقد شرعت بالأكل، ورأى ثلّة أخرى بدأت تتدحرج متهادية من أغصان شجرة التوت التي تلامس السطح، وتزاحمت الكوكبة على الأكل بحركة دؤوب مطرقة رأسها في طعامها، وكأنّه أمام ثورة الجياع، وقد وقعوا على طعام بعد طول غياب...ياالله ... نادى بأعلى صوته عندما رأى قطيعاً من الجرذان التي اعتادت منذ سنوات طويلة تسلّق شجرة التوت؛ لتتناول وجبتها المعتادة من مائدة أبي كريم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق