شهر العسل
20/6/2008 د/أمان الدين محمد حتحات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد رحلة طويلة ماتعة، من شاطئ المتوسط الشرقيّ إلى الطرف الشماليّ الغربيّ منه حطّت بنا عصا الترحال في مرسيليا، المدينة الغافية في أحضان الطبيعة الساحرة التي تحيط بها، المستلقية على مياه البحر لتداعب بقدميها أمواجه المتلاحقة المتراقصة، توجّهت إلى فندق راق، لي عهد سابق به، أُخذت الحقائب منّا إلى غرفة محجوزة منذ مدّة، مطلّة على أبرز ساحات المدينة، يحيط بها الوسط التجاري للمدينة، لا سيما شركات الملاحة البحرية.
استرحنا قليلاً من وعثاء السفر، ثمّ نزلنا إلى الشركة التي تتكفّل بنقلنا وسيارتنا إلى الضفّة الأخرى من المتوسط إلى الجزائر، دقائق جاء بعدها دورنا لنجلس قبالة الموظف المختصّ؛ ليحجز لنا في الباخرة غرفة مناسبة لعروسين في شهر العسل، ومعنا في الوقت نفسه سيارتُنا الخاصّة، دقّق الموظّف في أوراق السيارة وبادرني قائلاً:
ـ لا مشكلة، فالغرفة الأنيقة بانتظاركم لكنّ أماكن السيارات في الباخرة ممتلئة.
ـ وما العمل في هذه الحالة؟
ـ نترك السيارة عندنا، ثمّ نرسلها لكما في باخرة أخرى بعد ثلاثة أيّام.
ودون تفكير، لأنني لا أملك البديل أجبته:
ـ لا بأس سيّدي، فليكن الأمر كما هو متوفّر.
ـ لكنّ هذا سيكلّفك مبلغاً إضافيّاً مقابل مبيت السيارة عندنا.
أعدت حساباتي بسرعة، وأدركت أن المبلغ الإضافي لا يثقل كاهل ميزانيتنا، وقلت له:
ـ حسناً سيدي، أتمم الإجراءات، واحجز لنا.
دقائق معدودة، ثمّ قال لي:
ـ المبلغ الإجمالي لكما وللسيارة هو ثلاثة آلاف فرنك فرنسيّ.
بلعت ريقي عدّة مرات، وقلت له:
ولكنك قلت لي قبل مدّة بأن التكلفة ألفا فرنك بالضبط، فما الذي جرى لتغيّر المبلغ.
ـ لقد ارتفعت أجور النقل قبل شهر يا سيّدي، وأنت لم تحجز آنذاك، بل سألت عن
الأجور فقط.
ـ ولكنني لا أملك سوى ألفي فرنك.
ـ هذه مشكلتك، كلّ ما أستطيع تقديمه هو إمهالك لتثبيت الحجز حتى الثامنة مساء؛
أي بعد ثلاث ساعات، لأنّك تعرف أن الباخرة ستبحر في الثامنة من صباح الغد.
شكرته بعد أن استبدلت بغرفتي المحجوزة في رحم الباخرة كرسيين بحريين على ظهرها ـ وهو أرخص درجات السفر ـ ...خرجت مع عروسي، لتعود بي الذاكرة إلى ثلاثة أشهر سابقة، لمّا مررت بموظف الشركة وفهمت منه الأسعار وسجلّتها...وحسبت حساباتي جيدا وفق خبرتي آنذاك، وسافرت لقضاء إجازتي بين أهلي وأصحابي لأختمها بالزواج...ثمّ أخذت طريق العودة عبر تركيا أنفّذ ما قمت بتخطيطه بكل دقّة...مررت باستنبول متنقلاً بين آثارها ومتاحفها متبضّعاً بعض الأغراض والألبسة من بينها "بنطلونٌ" له جيوب مخفيّة تقيني شرّ السارقين في تركيا، تابعت طريقي غرباً نحو فرنسا، ولم أنس أن أيمّم شمال؛ لأزور كثيراً من الدول والبلدان مستمتعاً بشهر العسل، منفقاً الكثير وفق الخطة الموضوعة بدقّة كما كنت أعتقد.
خطّطت لأصل إلى مرسيليا في آخر عطلتي الصيفية بحيث يفيض معي أكثر من ألف فرنك فرنسي وهو مبلغ ممتاز آنذاك، مدرِجاً في خطتي النومَ في فندق راق حجزته مسبقاً، والأكلَ في مطاعم مناسبة، وغيرَ ذلك من الأمور التي تتناسب مع متطلبات شهر العسل.
أفقت من ذكرياتي الجميلة إلى واقعي المرير في بلد أنا فيه غريب الوجه واليد، لا اللسان، تداولت الأمر مع شريكتي، وقرّرنا أن نتناسى أننا في شهر العسل...حجز الفندق الراقي لا رجعة فيه؛ لأنه محجوز مسبّقاً، الأكل يمكن أن يقتصر على بعض "الساندوتشات" لا سيما أن الباخرة ستمخر عباب البحر في صباح اليوم التالي، وهذا يوفّر علينا كثيراً من المصروفات، وخلاصة القول أننا محتاجان إلى ألف فرنك لنقف على قدمينا، ونحن في بلد غريب، تذكرت أهلي وأصحابي وعشيرتي بكل ما يحملونه من نخوة وشهامة لا توقعني في مثل هذا الموقف الذي لا أحسد عليه، ألف فرنك دونه إهدار كرامة أو الوقوع في مأزق، أو موقف لا أدري أبعاده.
من بعيد لمحت علماً لبنانياً كبيراً يزيّن لافتة وكالة بحريّة، شعرت بأنّ بصيص أمل قد ظهر لي وأنا في سباق مع الزمن، وموظف الشركة التي ستنقلني ينتظرني...دخلنا الوكالة باعتزاز...عرضت على الأخ اللبناني أن يشتري بألف فرنك مسجلة(وهي شيء نفيس آنذاك) وما يراه مناسباً من خاتم أو اثنين أو أسوارٍ، المهم ألاّ يغبن أحدنا الآخر...يبدو أنه توجس خيفة من شابّ و شابة يعرضان هذا العرض فاعتذر بأدب وطلب إمهاله إلى اليوم التالي مع بقاء الأغراض بحوزته، وهذا أمر غير ممكن مع من يسابق الزمن...ازداد الأمر تعقيداً مع كلّ دقيقة أخسرها لأن عدم سفري في صباح اليوم التالي سيفاقم الوضع وسأحتاج إلى انتظار باخرة أخرى وما يتبع ذلك من مصاريف كبيرة، فإذا كنت عاجزاً عن تدبير ألف فرنك وأنا أملك مسجلة وكاميرا وبعض القطع الذهبية فكيف سأحصل على مبالغ أكبر...كنت في مأزق كبير، وامتحان عسير، لا بدّ أن أخرج منه لكنني لا أعرف الثمن الذي سيُدفع مقابل ذلك.
أوصلت شريكتي إلى الفندق لأبدأ رحلة البحث عن حلّ في مدينة لا شفيع لي فيها ولا عارف، أحمل على كتفي مسجلة، وفي جيبي بعض القطع الذهبية التي سأضحّي بها جميعها في سبيل خروجي من هذه الورطة، وبدأت رحلة البحث عن حلّ أقفز الشوارع قفزاً لأنني أسابق الزمن تماماً كما أسابق السراب، بلا أمل أو هدف.
رأيت من بعيد مجموعة شبان سُمْرِ الملامح فخطر في بالي أبناء جلدتي أستدرّ عطفهم، وأطلعهم على مشكلتي بكل صدق ولا شكّ في أنهم أصحاب حميّة مهما كان البلد الذي ينتمون إليه...اقتربت، ثمّ اقتربت أكثر أسترق السمع، وإذ بهم يرطنون بكلمات لا أميزها آنذاك وهي اللغة الأورديّة، فابتعدت مكسور الخاطر مهيض الجناح وعقارب الساعة تسير بسرعة كأنني في مباراة حاسمة فريقي خاسر بفارق ضئيل، وفجأة لمحت وجوها سمراء أخرى على الطرف الآخر من الشارع، اجتزته مخالفاً كلّ قواعد المرور المحترمة في تلك البلاد...شنّفت أذنيّ جيداً كي لا أصابَ بانتكاسة أخرى فيضيعَ وقتي المتسارع هباءً...سرت على بعد خطوات منهم مطبّقاً كل شروط التمركز التي أعرفها ذلك بأن أرى ولا أُرى وأن أستوعب ما أرى...تهادى إلى مسمعي أجمل كلمات سمعتها في حياتي هي فوق الغزل، والعشق، والمناجاة...سمعت: "آكو...و ماكو" يالله... أبناء الرافدين، أحباؤنا، لا شكّ قضيّتي محلولة على أعتاب نجدتهم المعهودة...اقتربت، فسلمت، فعرضت القضية عليهم، تداولوا الأمر فيما بينهم، فوافقوا واطمأنّوا بعد أن عرفوا أنني سأكون على ظهر باخرتهم نفسِها أخذت منهم ألف فرنك على سبيل الإقراض وأعطيتهم ما يضمن حقهم وتبادلنا العنوانات في الجزائر لنعيد لكلّ ذي حقّ حقّه.
انطلقت إلى الشركة لأتمّم الإجراءات والحجز وأرتب أمور إنفاقي لأخرج في النهاية (راس بعبّ)، ولأقضي ليلة هانئة بعد امتحان عسير... أبحرت الباخرة صباح اليوم التالي لأقضي على سطحها أربعاً وعشرين ساعة أنستني الراحة النفسية فيها متاعب الجلوس في كرسي على ظهر باخرة، وأكل سندوتشات من أرخص الأصناف، لأنني لا أملك شيئاً...من بعيد لوحت لنا الجزائر العاصمة بكلتا يديها مرحبة... نزلت وشريكتي واستلمنا أغراضنا، ووقفنا في صفّ التفتيش الطويل...وصل دوري للتفتيش، استلمني موظف لبق فتّش حقائبنا، وملابسي التي ألبسها، وأخرج من أحد جيوب بنطلوني الخفيّة قطعتين ورقيتين رقيقتين وسألني:هل عندك غيرُ هذه الألف وخمسمائة فرنك لتصرّح بها عند دخولك؟
20/6/2008 د/أمان الدين محمد حتحات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد رحلة طويلة ماتعة، من شاطئ المتوسط الشرقيّ إلى الطرف الشماليّ الغربيّ منه حطّت بنا عصا الترحال في مرسيليا، المدينة الغافية في أحضان الطبيعة الساحرة التي تحيط بها، المستلقية على مياه البحر لتداعب بقدميها أمواجه المتلاحقة المتراقصة، توجّهت إلى فندق راق، لي عهد سابق به، أُخذت الحقائب منّا إلى غرفة محجوزة منذ مدّة، مطلّة على أبرز ساحات المدينة، يحيط بها الوسط التجاري للمدينة، لا سيما شركات الملاحة البحرية.
استرحنا قليلاً من وعثاء السفر، ثمّ نزلنا إلى الشركة التي تتكفّل بنقلنا وسيارتنا إلى الضفّة الأخرى من المتوسط إلى الجزائر، دقائق جاء بعدها دورنا لنجلس قبالة الموظف المختصّ؛ ليحجز لنا في الباخرة غرفة مناسبة لعروسين في شهر العسل، ومعنا في الوقت نفسه سيارتُنا الخاصّة، دقّق الموظّف في أوراق السيارة وبادرني قائلاً:
ـ لا مشكلة، فالغرفة الأنيقة بانتظاركم لكنّ أماكن السيارات في الباخرة ممتلئة.
ـ وما العمل في هذه الحالة؟
ـ نترك السيارة عندنا، ثمّ نرسلها لكما في باخرة أخرى بعد ثلاثة أيّام.
ودون تفكير، لأنني لا أملك البديل أجبته:
ـ لا بأس سيّدي، فليكن الأمر كما هو متوفّر.
ـ لكنّ هذا سيكلّفك مبلغاً إضافيّاً مقابل مبيت السيارة عندنا.
أعدت حساباتي بسرعة، وأدركت أن المبلغ الإضافي لا يثقل كاهل ميزانيتنا، وقلت له:
ـ حسناً سيدي، أتمم الإجراءات، واحجز لنا.
دقائق معدودة، ثمّ قال لي:
ـ المبلغ الإجمالي لكما وللسيارة هو ثلاثة آلاف فرنك فرنسيّ.
بلعت ريقي عدّة مرات، وقلت له:
ولكنك قلت لي قبل مدّة بأن التكلفة ألفا فرنك بالضبط، فما الذي جرى لتغيّر المبلغ.
ـ لقد ارتفعت أجور النقل قبل شهر يا سيّدي، وأنت لم تحجز آنذاك، بل سألت عن
الأجور فقط.
ـ ولكنني لا أملك سوى ألفي فرنك.
ـ هذه مشكلتك، كلّ ما أستطيع تقديمه هو إمهالك لتثبيت الحجز حتى الثامنة مساء؛
أي بعد ثلاث ساعات، لأنّك تعرف أن الباخرة ستبحر في الثامنة من صباح الغد.
شكرته بعد أن استبدلت بغرفتي المحجوزة في رحم الباخرة كرسيين بحريين على ظهرها ـ وهو أرخص درجات السفر ـ ...خرجت مع عروسي، لتعود بي الذاكرة إلى ثلاثة أشهر سابقة، لمّا مررت بموظف الشركة وفهمت منه الأسعار وسجلّتها...وحسبت حساباتي جيدا وفق خبرتي آنذاك، وسافرت لقضاء إجازتي بين أهلي وأصحابي لأختمها بالزواج...ثمّ أخذت طريق العودة عبر تركيا أنفّذ ما قمت بتخطيطه بكل دقّة...مررت باستنبول متنقلاً بين آثارها ومتاحفها متبضّعاً بعض الأغراض والألبسة من بينها "بنطلونٌ" له جيوب مخفيّة تقيني شرّ السارقين في تركيا، تابعت طريقي غرباً نحو فرنسا، ولم أنس أن أيمّم شمال؛ لأزور كثيراً من الدول والبلدان مستمتعاً بشهر العسل، منفقاً الكثير وفق الخطة الموضوعة بدقّة كما كنت أعتقد.
خطّطت لأصل إلى مرسيليا في آخر عطلتي الصيفية بحيث يفيض معي أكثر من ألف فرنك فرنسي وهو مبلغ ممتاز آنذاك، مدرِجاً في خطتي النومَ في فندق راق حجزته مسبقاً، والأكلَ في مطاعم مناسبة، وغيرَ ذلك من الأمور التي تتناسب مع متطلبات شهر العسل.
أفقت من ذكرياتي الجميلة إلى واقعي المرير في بلد أنا فيه غريب الوجه واليد، لا اللسان، تداولت الأمر مع شريكتي، وقرّرنا أن نتناسى أننا في شهر العسل...حجز الفندق الراقي لا رجعة فيه؛ لأنه محجوز مسبّقاً، الأكل يمكن أن يقتصر على بعض "الساندوتشات" لا سيما أن الباخرة ستمخر عباب البحر في صباح اليوم التالي، وهذا يوفّر علينا كثيراً من المصروفات، وخلاصة القول أننا محتاجان إلى ألف فرنك لنقف على قدمينا، ونحن في بلد غريب، تذكرت أهلي وأصحابي وعشيرتي بكل ما يحملونه من نخوة وشهامة لا توقعني في مثل هذا الموقف الذي لا أحسد عليه، ألف فرنك دونه إهدار كرامة أو الوقوع في مأزق، أو موقف لا أدري أبعاده.
من بعيد لمحت علماً لبنانياً كبيراً يزيّن لافتة وكالة بحريّة، شعرت بأنّ بصيص أمل قد ظهر لي وأنا في سباق مع الزمن، وموظف الشركة التي ستنقلني ينتظرني...دخلنا الوكالة باعتزاز...عرضت على الأخ اللبناني أن يشتري بألف فرنك مسجلة(وهي شيء نفيس آنذاك) وما يراه مناسباً من خاتم أو اثنين أو أسوارٍ، المهم ألاّ يغبن أحدنا الآخر...يبدو أنه توجس خيفة من شابّ و شابة يعرضان هذا العرض فاعتذر بأدب وطلب إمهاله إلى اليوم التالي مع بقاء الأغراض بحوزته، وهذا أمر غير ممكن مع من يسابق الزمن...ازداد الأمر تعقيداً مع كلّ دقيقة أخسرها لأن عدم سفري في صباح اليوم التالي سيفاقم الوضع وسأحتاج إلى انتظار باخرة أخرى وما يتبع ذلك من مصاريف كبيرة، فإذا كنت عاجزاً عن تدبير ألف فرنك وأنا أملك مسجلة وكاميرا وبعض القطع الذهبية فكيف سأحصل على مبالغ أكبر...كنت في مأزق كبير، وامتحان عسير، لا بدّ أن أخرج منه لكنني لا أعرف الثمن الذي سيُدفع مقابل ذلك.
أوصلت شريكتي إلى الفندق لأبدأ رحلة البحث عن حلّ في مدينة لا شفيع لي فيها ولا عارف، أحمل على كتفي مسجلة، وفي جيبي بعض القطع الذهبية التي سأضحّي بها جميعها في سبيل خروجي من هذه الورطة، وبدأت رحلة البحث عن حلّ أقفز الشوارع قفزاً لأنني أسابق الزمن تماماً كما أسابق السراب، بلا أمل أو هدف.
رأيت من بعيد مجموعة شبان سُمْرِ الملامح فخطر في بالي أبناء جلدتي أستدرّ عطفهم، وأطلعهم على مشكلتي بكل صدق ولا شكّ في أنهم أصحاب حميّة مهما كان البلد الذي ينتمون إليه...اقتربت، ثمّ اقتربت أكثر أسترق السمع، وإذ بهم يرطنون بكلمات لا أميزها آنذاك وهي اللغة الأورديّة، فابتعدت مكسور الخاطر مهيض الجناح وعقارب الساعة تسير بسرعة كأنني في مباراة حاسمة فريقي خاسر بفارق ضئيل، وفجأة لمحت وجوها سمراء أخرى على الطرف الآخر من الشارع، اجتزته مخالفاً كلّ قواعد المرور المحترمة في تلك البلاد...شنّفت أذنيّ جيداً كي لا أصابَ بانتكاسة أخرى فيضيعَ وقتي المتسارع هباءً...سرت على بعد خطوات منهم مطبّقاً كل شروط التمركز التي أعرفها ذلك بأن أرى ولا أُرى وأن أستوعب ما أرى...تهادى إلى مسمعي أجمل كلمات سمعتها في حياتي هي فوق الغزل، والعشق، والمناجاة...سمعت: "آكو...و ماكو" يالله... أبناء الرافدين، أحباؤنا، لا شكّ قضيّتي محلولة على أعتاب نجدتهم المعهودة...اقتربت، فسلمت، فعرضت القضية عليهم، تداولوا الأمر فيما بينهم، فوافقوا واطمأنّوا بعد أن عرفوا أنني سأكون على ظهر باخرتهم نفسِها أخذت منهم ألف فرنك على سبيل الإقراض وأعطيتهم ما يضمن حقهم وتبادلنا العنوانات في الجزائر لنعيد لكلّ ذي حقّ حقّه.
انطلقت إلى الشركة لأتمّم الإجراءات والحجز وأرتب أمور إنفاقي لأخرج في النهاية (راس بعبّ)، ولأقضي ليلة هانئة بعد امتحان عسير... أبحرت الباخرة صباح اليوم التالي لأقضي على سطحها أربعاً وعشرين ساعة أنستني الراحة النفسية فيها متاعب الجلوس في كرسي على ظهر باخرة، وأكل سندوتشات من أرخص الأصناف، لأنني لا أملك شيئاً...من بعيد لوحت لنا الجزائر العاصمة بكلتا يديها مرحبة... نزلت وشريكتي واستلمنا أغراضنا، ووقفنا في صفّ التفتيش الطويل...وصل دوري للتفتيش، استلمني موظف لبق فتّش حقائبنا، وملابسي التي ألبسها، وأخرج من أحد جيوب بنطلوني الخفيّة قطعتين ورقيتين رقيقتين وسألني:هل عندك غيرُ هذه الألف وخمسمائة فرنك لتصرّح بها عند دخولك؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق