الثلاثاء، 15 ديسمبر 2009

قصة قصيرة: الحقيبة

الحقـيبة
تشرين الثاني 2007 د / أمان الدين محمد حتحات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مَِشنقتان علّقتا في ساحة باب الفرج جعلتا حلب تخرج على بَكْرة أبيها؛ لتراهما؛ لترى الرجلين الشابين وقد سحبتهما الجاذبية الأرضية، ومازالا يتأرجحان في الهواء كتأرجح رقّاص الساعة عند بائعي الساعات الذين يحيطون بساحة باب الفرج.
كنت يافعاً أسابق الريح عندما أركض، وأطاول عَنان السماء إذا قفزت، وكان خبر المشنقتين المنصوبتين كفيلاً بأن أتسابق مع أخْداني تضرب أعقابُنا ظهورَنا من السرعة، لم نشاهد من قبلُ مشنوقاً، ولا مذبوحاً، ولا مجروحاً، لم تخدش أحلامَنا الورديّةَ صورُ العنف، والقتل، ولا حتّى صورُ العِقاب أو القِصاص.
عبرنا الشوارع، والساحات غيرَ مبالين بسيارة عابرة، أو "طرماي" تقضم الطريق ملتهمة قضبانَها المبسوطةَ فيها انبساط الأفعى التي دخلت في سُباتها الشتوي، همّنا الوحيدُ أن نرى المشنوقين وهما معلّقان، قبل أن يتمّ إنزالهما من المنصّة خوفاً من ردّة فعل غيرِ متوقّعة، هكذا جرت العادة.
وأخيراً رأيناهما من بعيد ظاهرَيْن للعِيان على منصّة مرتفعة، اقتربت منهما بعد أن باعدت الجموع بيني وبين أخداني، واقتربت أكثر فأكثر متفادياً أشعّة الشمس التي حالت دون وضوح الرؤية بشكل صافٍ، خاتلت أشعة الشمس، وتحايلت عليها يمنة ويسرة حتّى تمكنت منها؛ كي لا تقف أشعتُها عائقاً بين المعلّقَيْن من جهة وفضولٍ إلى رؤيتهما من جهة أخرى.
كنت صغيراً بل قصيراً مقارنة مع من حولي من الجموع، وقفت على أطراف أصابعي، واشرأبّت عنقي لأصل إليهما أكثر، وجحظت عيناي تتلمّسان قرباً من الهدف المنشود، ولم أعبأ بمن وطِأ رجلي، أو نهرني بمَرْفِقِه على وجهي، فعمليّة الشنق بحدّ ذاتها أكبر من أيّ صعوبة أصادفها؛ لأنها لن تتكرّر فيما أظنّ مرّة ثانية أمامي.
بعد لأْيٍ ومشقّة تمكّنت من تلمّس ما كُتِب على صدريهما من سبب الشنق، وخلاصة الأحكام، شيءٌ مخيف ورائع من هول فعلتهما التي ظلّت لغزاً حيّرني لفترة طويلة من الزمن...
كانا شابَّيْن في عمر الورد استهوتهما عادة ركوب الدراجات النارية، وهي هواية لا تَمُتّ إلى البراءة بشيء آنذاك يتجوّلان بين الأحياء كطلقة مسدّس في فراغ ساكن، يضخّون خلفهم غيوماً سوداء تؤذي الإحساس، وتخدش الذوق، وتستأصل المدنيّة من جذورها؛ فيزرعوا الهلع والذعر في نفوس معظم الناس، وينثروا المتعة عند نفر من الصبية، فكثيراً ما كنّا نرى صبيّاً منتخَباً خلف أحدهما ينطلقان به إلى جهة لا نُبَرِّئ أحداً منهم في هذه الرحلة المشبوهة.
وأمر هواية الدراجات النارية آنذاك أمر خطير في الغالب يحتاج إلى مال كثير للإنفاق على مستلزمات هذه الهواية اللعينة، وما يتبعها من شرب وتدخين بكلّ أنواعه، وما خفي كان أعظم، الشيءُ الذي يدفع الهاوي إلى البحث عن مصادر التمويل.
توجّهت أنظار بكّار وصافي إلى منزل خالة بكار، تلك العجوز التي بلغت من العُمُْر عِتِيّا، تسكن وحدها في مبنى قديم متهالك من طابقين لا يضمّ إلا القليل من الجيران كبار السنّ، تقرأ من حجارته أعمار ساكنيه، وتَعُدّ شاغليه من عدد شققه التي لا تصل لأصابع الكفّ الواحدة.
رسم بكّار وصافي خطّتهما على عجل دفعهما إلى عدم حساب النتائج، وإلى دفع الفاتورة غالية جدّاً...زيارةٌ واحدة لبيت خالته، أو اثنتان جعلت بكاراً يعرف أخبار خالته التي تحبّه وترى فيه على الدوام ملامح أختها المتوفّاة...لمسةُ حنان من الخالة، وتقبيلٌ للأيادي من بكار جعلت الخالة تفضي إليه بمكنوناتها، وتكشف له عن أخبارها اليومية بكل صدق وبساطة ظانّةً أنه جاء ليلبيَ لها بعضَ حاجيّاتها، لكنّها لم تدر أن وراء الأَكَمَة ما وراءها، ولم تعرف أنّه يرش لها (الدرة) على لغة (الحميماتية) في حلب، وفعلاً قضى لها بعض الأغراض التي يحتاجها كبار السنّ من أبنائهم، أو أقاربهم المقرّبين، ثمّ شرب قهوته التي شاركها في صنعها في مطبخ البيت، وقرأت له فنجانه الذي أسعده عندما قالت له: إنّ سمكةَ رزق قادمةٌ إليك، وإنّ بنتَ الحلال ستطرق باب قلبك، وغيرُ ذلك مما يُطْرَب له السذَّجُ من الناس، كانت عيناه تمسح كلّ ركن من أركان البيت، بل إنّ نظرة عينيه الثاقبة رأت ما وراء الجدران، ونفذت إلى ما خلف أبواب الخزائن وفحصت ما بداخلها...لِمَ لا وهو يحمل في طيّاته كلَّ نيّة سيّئة، و يُضْمِر في ثنايا سريرته مشاعر ربّما لا يحملها الإنسان لعدوّه، قبّل يديها طالباً الدعاء، وغادرها مساء بعد أن عرف يقيناً أنها قد باعت عَقاراً متواضعاً كان قد خلّفه لها المرحوم لوقت الشدّة والعِوَز.
كان صافي وأمير ـ وهو فتى في الخامسةَ عشرةَ من عمره ـ يقفان في طرف الشارع ينتظران مهندس العمليّة، ومُخْرِجَها الذي قرّر بيع خالته من أجل حفنة من الليرات فهو الذي سيعطي إشارة البدء...نزل بكار من ميدان العمليّات، وخطا خطوات الواثق المتزن المنتشي، وتقوقع الثلاثة في جلسة همس ؛ لتدارسِ الوضع الميداني...فاتُّخِذَ القرارُ:...سنعود الآن فوراً إلى بيت خالتي أنا وصافي وأنت يا أمير تراقب مدخل العمارة وترنّ لنا الجرس الموجود عند باب البناء رنّة مستمرّة طويلة إذا اشتبهت بأحد يدخل المبنى، أو توجّست من أمر خيفة، وأميرٌ أصغر من أن يُعَرَّف بتفصيلات الخطّة، اللهمّ إلاّ أنّهم سيسرقون، وأنّ له من الطيّب نصيباً.
تسلّق الاثنان درج المبنى بلصوصيّة محترفة، كلّ يتلفّت حوله وقد اتّشح كلّ منهما بلفاحة اعتاد أن يضعها حول رقبته حيناً، ويتلثّم بها بحجّة البرد حيناً آخر إذا أراد إخفاء ملامحه...كانت المسافة بينهما كافية؛ لتُمَكِّنَهما من رصد طابقَيْ المبنى بشكل كامل، ولم تُعِقِ العتمةُ داخل المبنى صعودَهما، ذلك لأنّ الخالة أطفأت نور الدرج من داخل بيتها شأنُ كل العمارات القديمة، وقفلت الباب من الداخل، كما هي العادة عند جدّاتنا، بل عندنا نحن كذلك.
قرع بكار جرس الباب مسمعاً خالته صوته؛ لتطمئنّ للطارق،...وببطء متكاسل أُنِيْرَ البيت من الداخل، وتهادى صوت الخالة المتهدّج بحنان: خير يابكار...(خاله نسيت مفاتيحي)، فُتِح الباب ليدخلَ بكار ... وينسلَّ وراءه صافي انسلال سكين ماضية في جسد شاة تُسلخ وهي معلّقة... شعرت الخالة من طريقة دخولهما أنّ في الأمر ما يريب... حاولت رفع صوتها مستغيثة ... لحظات وكانت الخالة قد ذُبِحَتْ ذبح النعاج، لم يتركوا لها مجالاً لكلمة، ولم تنفعها توسلات أو استرحام، ولم تُتَحْ لها صيحة استغاثة، أو همسة نجدة، لم يرحموا صلة رحِم أو نسب، ولم تشفع لها صرخات ثمانية عقود من الزمن، أو رجفات اعتلال أو رعشات مرض، كلّ شيء فيها يحاول أن يستغيث، ولا حياة لمن تنادي، فقد وضعوا كواتم الصوت على سكاكينهم، وعوادم الرحمة في آذانهم.
دقائق وبكار وصافي يقفزان فوق درج المبنى قفزَ من يمشي حافياً على جمر متوقّد حاشا سحرةَ الهند والشرق، يتّكئان على " دربزونه " الحديدي المرتجف من فعلتهما، كانا يحملان حقيبة سفر صغيرة فيها الغنيمة والسعادة والهناء، حقيبة ستنتشلهما من العوز والحاجة التي يتصورانها،، راحا يحلمان بالتوبة إلى الله إذا لم يُكْشف أمرهما شأنُهما شأنُ كلّ مجرم، وبالزواج وتأسيس أسرة شأنُ كلّ شابّ، ودكانٍ لتأجير الدراجات النارية والهوائية شأنُ من يبحث عن مُتعة رخيصة.
اتّجه الثلاثة إلى بيت متواضع استأجره بكار وصافي منذ مدّة يختلون به لقضاء أوقات لهوهم ومتعتهم، ومشروبهم، ولقيمات يقيمون بها أصلابَهم، كانت نشوة النصر فوق كلّ نشوة، نصر أنساهم مرارة فعلتهم، في طريقهم اشتروا دجاجتين مشويّتين وهي أسرع وجبة يمكن الحصول عليها، و " نصّية من حليب السباع " كما يسمّيه الحلبيّون وقليل من القضامة وفستق العبيد... دخلوا البيت، وقبل أن يأكلوا قرّروا اقتسام الغنائم، وضعوا الحقيبة الجلدية المقفلة بينهم لفتحها، التفوا حولها التفاف الضباع على فريستهم، كان وزن الحقيبة موحياً بأنّ فيها مبلغاً كبيراً من المال، وثقلُها بالنسبة إليهم سعادة غامرة، وثروة عامرة، كانت نشوتُهم وضحكاتُهم لا تفارقهم، وهي فوق كلّ اعتبار... استعصت الحقيبة على فاتحيها، ولعلّ التسرّعَ والارتباك هما السببُ، لكنّ آخرَ الدواءِ الكيُّ... ضربة واحدة من " شبريّة " صافي في خاصرة الحقيبة أخرجت أمعاءها وبسطت محتواياتها أمامهم على الفور، نبشوا المحتويات، ومسحوا الحقيبة من داخلها تبادلوا نظرات اللؤم والخيبة والوعيد فيما بينهم واحتبس الدم في عروقهم ، وتعثرت الكلمات على شفاههم وقرأ بكار ملامح صافي السيئة في تلك اللحظة العصيبة، فسوء التخطيط، وعدم الدقّة أوصلانا إلى هذه الطريق المسدودة لكنّ بكاراً وبعصبية القاتل الذي لا مانع لديه من القتل ثانية وثالثة بادلهما النظرات من العيار نفسه مستمرّاً في نبش أشلاء الحقيبة تفقّد جيوبها الداخلية وهزّ الأغراض واحداً تلوَ الآخر وأعمل يديه في كلّ كمّ وجيب وثنية وتجويف ولم يعثر إلاّ على خيبة الأمل وأغراض خاصّة، ومعطف نسائي، وحذاء، وثوب لتنام فيه عندما ستزور أخاها، وحقيبة يد نسائية صغيرة فيها بعضٌ من النقود المعدنية وورقةٌ بنكية رسميّة مكتوب عليها ((إيصال بإيداع مبلغ في المصرف التجاري السوري))
15/11/2007

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق