الملهوف
د/أمان الدين محمد حتحات العين 24/10/2008
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقف صلاح أمام النافذة يتأمّل بحر الرمال الذي يحيط بمنزله في بلاد الغربة، الحرارة أقوى من أن تحتمل، لاسيّما أيّام القيظ والرطوبة حيث يتعرّق زجاج البيوت والسيارات من الخارج فيستحيل قطرات تحاكي قطرات العمر الذي ينزفه يوماً بعد يوم، وهذا عكس ما ألفه في بلده، فشتان بين نار كاوية تذكره بـ"ببّور العكس" الذي يستخدمه "السنكري" أبو طه في لحام القصدير، وبرودة طبيعية في بلده تنعش الفؤاد، وتزيده ألقاً وشباباً، لكن الضريبة يجب أن تُدفع فالرغبة في بناء الذات لها ثمن رضينا به، والشعور بالانتماء لأمة عربية واحدة، يجعلنا لا نتردّد في خدمة أيّ بلد عربيّ يحتاجنا.
شريط من الذكريات يداعب مخيلته على الدوام، وبخاصّة أيام الإجازة وهي التي ينتظر فيها استلام رسالة من زوجته وأولاده، أو من أمّه، أو من صديق أو غير ذلك من الرسائل حيث حرص على استئجار صندوق بريديّ منذ الأيام الأولى التي حطّ فيها رحله في هذا البلد الكريم.
نزل من بيته واستقلّ سيارته نحو البريد المركزي؛ ليتفقّد صندوقه العتيد، الجوّ لا يطاق من شدّة الحرّ، وجه مكوّر محمرّ تقبع في وسطه جمرتان من نار خبّأهما صلاح بنظّارة سوداء داكنة، حبّات العرق تقطر من ذقنه لتعكس أشعة الشمس التي تتحدّى برودة المكيّف فلا يجدي معها فتيلاً، ومن بعيد تتراقص أخيلة السراب على الطريق الإسفلتيّ فتتحوّل مشاعره من جديد لتقارن بين جلسة على شرفة بيته هناك ونسمات الليل تداعب شعر ابنته الصغيرة، يهدهد لها لتنام في حضنه سعيداً، فينسى في ذلك مرارة غربته، وجلسة أخرى في زاوية بيته الواسع، يتأمل الجدران والسقف، وهو رهين المحبسين: البيت والغربة.
دقائق مرّت ووصل إلى البريد المركزي، خرج من سيارته مهرولاً كأنّه رجل بأناقته الكاملة يهرب من سيل ماطر في شارع مكشوف والرياح العاتية تمشّط شوارع المدينة فلا تترك زاوية دون أن يطالها المطر الغزير. جفّف عرقه على عجل ودلف إلى داخل المبنى الأنيق المبرّد ليستردّ بعضاً من الروح التي كادت أن تزهق.
فتح علبة البريد التي يطلّ من خلالها على بلده، يشمّ العبق، ويملأ رئتيه برحيق الرسائل وتقفز عيناه بين الأحرف، بل بين الكلمات، بل بين الأسطر ليطمئنّ على كلّ شيء من خلال هذه الكوّة النافذة، خرج من المبنى المبرّد وهو يقرأ، لفحته سياط القيظ وهو يقرأ أخبار الأهل، يبتسم حيناً، وتجحظ عيناه في قراءة بعض الكلمات حيناً، ويكرّر السباحة بين كثير من الأسطر أحايين أخرى. لمح بطرف عينه ثلاجة آلية فيها كثير من أنواع المشروبات الباردة، فأراد أن يطفئ عطشه بعلبة ممّا يحبّ بعد أن أخذ الحرّ منه كلّ مأخذ، أخرج درهماً من بين الدراهم التي يحتفظ بها على الدوام لتسعفه في تلك اللحظات، فتطفئ حرارة جوفه العطش، وضع الدرهم في المكان المخصّص له واختار ما تتوق إليه نفسه طوعاً، ضغط الزرّ دون ردّ، كرّر الأمر وتكرّر الجواب، حاول استرداد الدرهم دون جدوى، فالدرهم خرج من جيبه ولن يعود، وحتّى لا يقع ضحيّة للجهاز المعطّل مرّة أخرى بلع ريقه وقفل راجعاً إلى سيارته.
لمحت خلفي حركة من صبي ـ كان يراقبني ـ يهرع خلسة نحو مطفئ الظمأ المعطّل، لم يشعر الصبيّ أنني أراقبه خلسة كذلك، ضرب الجهاز بخبرة عدّة ضربات متناغمة ليلد له ما كنت أمنّي النفس به قبل لحظات، أمسك الصبيُّ الوليدَ برفق وعناية بكلتا يديه؛ ليسرق البرودة من جدار العلبة التي راحت تنضح بين يديه قطرات من الثلج الذي يغلّفُها تلو قطرات، ابتسم الصياد لطريدته التي جاءته دون مقابل، واستمرّت مراقبتي له دون أن يشعر فقد شُغِل عن الدنيا بالعلبة الباردة؛ فتح العلبة طرِباً بصوت فرقعتها ونزع من أعلاها صمّام الأمان، وقرّب شَفَتَها بيده بقدر ما قرّب رأسه ومطّ شفتيه نحوها ليلثِم فاها، وبسرعة البرق كنت خلفه وفوقه منحنياً كالمارد أمسكت العلبة المنشودة قبل أن يرشف منها شهدها، وأخذتها من علٍ، مارّاً بها فوق رأسه، وعرف أنّ حُلمه قد طار وتبخّر بطرفة عين، التفتَ يتابع العلبة الطائرة غير مستوعب للخطب.
· هذه لي ومن حقّي ( قلت له مبتسماً ).
جاوبني بابتسامة خائفة مستسلمة معبرة دون أن يتفوّه بكلمة واحدة، فجثوت أمامه أبادله المشاعر بابتسامة مخلصة مطمئنة وادعة، وأخذته من يده نحو الثلاجة ناسياً الحرّ والقيظ، وأنا أقول له:
· اختر ما تريد.
فهم قصدي وبادلني الابتسامة بأحسن منها، مشيراً إلى العبوة التي أمسكها بيدي، بعد أن خطفتُها من بين شفتيه، أخذ الصبي علبة جديدة من الجهاز، وشرعنا في هذا القيظ نرشف معاً بسعادة أجمل مشروب تذوقته في حياتي.
د/أمان الدين محمد حتحات العين 24/10/2008
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقف صلاح أمام النافذة يتأمّل بحر الرمال الذي يحيط بمنزله في بلاد الغربة، الحرارة أقوى من أن تحتمل، لاسيّما أيّام القيظ والرطوبة حيث يتعرّق زجاج البيوت والسيارات من الخارج فيستحيل قطرات تحاكي قطرات العمر الذي ينزفه يوماً بعد يوم، وهذا عكس ما ألفه في بلده، فشتان بين نار كاوية تذكره بـ"ببّور العكس" الذي يستخدمه "السنكري" أبو طه في لحام القصدير، وبرودة طبيعية في بلده تنعش الفؤاد، وتزيده ألقاً وشباباً، لكن الضريبة يجب أن تُدفع فالرغبة في بناء الذات لها ثمن رضينا به، والشعور بالانتماء لأمة عربية واحدة، يجعلنا لا نتردّد في خدمة أيّ بلد عربيّ يحتاجنا.
شريط من الذكريات يداعب مخيلته على الدوام، وبخاصّة أيام الإجازة وهي التي ينتظر فيها استلام رسالة من زوجته وأولاده، أو من أمّه، أو من صديق أو غير ذلك من الرسائل حيث حرص على استئجار صندوق بريديّ منذ الأيام الأولى التي حطّ فيها رحله في هذا البلد الكريم.
نزل من بيته واستقلّ سيارته نحو البريد المركزي؛ ليتفقّد صندوقه العتيد، الجوّ لا يطاق من شدّة الحرّ، وجه مكوّر محمرّ تقبع في وسطه جمرتان من نار خبّأهما صلاح بنظّارة سوداء داكنة، حبّات العرق تقطر من ذقنه لتعكس أشعة الشمس التي تتحدّى برودة المكيّف فلا يجدي معها فتيلاً، ومن بعيد تتراقص أخيلة السراب على الطريق الإسفلتيّ فتتحوّل مشاعره من جديد لتقارن بين جلسة على شرفة بيته هناك ونسمات الليل تداعب شعر ابنته الصغيرة، يهدهد لها لتنام في حضنه سعيداً، فينسى في ذلك مرارة غربته، وجلسة أخرى في زاوية بيته الواسع، يتأمل الجدران والسقف، وهو رهين المحبسين: البيت والغربة.
دقائق مرّت ووصل إلى البريد المركزي، خرج من سيارته مهرولاً كأنّه رجل بأناقته الكاملة يهرب من سيل ماطر في شارع مكشوف والرياح العاتية تمشّط شوارع المدينة فلا تترك زاوية دون أن يطالها المطر الغزير. جفّف عرقه على عجل ودلف إلى داخل المبنى الأنيق المبرّد ليستردّ بعضاً من الروح التي كادت أن تزهق.
فتح علبة البريد التي يطلّ من خلالها على بلده، يشمّ العبق، ويملأ رئتيه برحيق الرسائل وتقفز عيناه بين الأحرف، بل بين الكلمات، بل بين الأسطر ليطمئنّ على كلّ شيء من خلال هذه الكوّة النافذة، خرج من المبنى المبرّد وهو يقرأ، لفحته سياط القيظ وهو يقرأ أخبار الأهل، يبتسم حيناً، وتجحظ عيناه في قراءة بعض الكلمات حيناً، ويكرّر السباحة بين كثير من الأسطر أحايين أخرى. لمح بطرف عينه ثلاجة آلية فيها كثير من أنواع المشروبات الباردة، فأراد أن يطفئ عطشه بعلبة ممّا يحبّ بعد أن أخذ الحرّ منه كلّ مأخذ، أخرج درهماً من بين الدراهم التي يحتفظ بها على الدوام لتسعفه في تلك اللحظات، فتطفئ حرارة جوفه العطش، وضع الدرهم في المكان المخصّص له واختار ما تتوق إليه نفسه طوعاً، ضغط الزرّ دون ردّ، كرّر الأمر وتكرّر الجواب، حاول استرداد الدرهم دون جدوى، فالدرهم خرج من جيبه ولن يعود، وحتّى لا يقع ضحيّة للجهاز المعطّل مرّة أخرى بلع ريقه وقفل راجعاً إلى سيارته.
لمحت خلفي حركة من صبي ـ كان يراقبني ـ يهرع خلسة نحو مطفئ الظمأ المعطّل، لم يشعر الصبيّ أنني أراقبه خلسة كذلك، ضرب الجهاز بخبرة عدّة ضربات متناغمة ليلد له ما كنت أمنّي النفس به قبل لحظات، أمسك الصبيُّ الوليدَ برفق وعناية بكلتا يديه؛ ليسرق البرودة من جدار العلبة التي راحت تنضح بين يديه قطرات من الثلج الذي يغلّفُها تلو قطرات، ابتسم الصياد لطريدته التي جاءته دون مقابل، واستمرّت مراقبتي له دون أن يشعر فقد شُغِل عن الدنيا بالعلبة الباردة؛ فتح العلبة طرِباً بصوت فرقعتها ونزع من أعلاها صمّام الأمان، وقرّب شَفَتَها بيده بقدر ما قرّب رأسه ومطّ شفتيه نحوها ليلثِم فاها، وبسرعة البرق كنت خلفه وفوقه منحنياً كالمارد أمسكت العلبة المنشودة قبل أن يرشف منها شهدها، وأخذتها من علٍ، مارّاً بها فوق رأسه، وعرف أنّ حُلمه قد طار وتبخّر بطرفة عين، التفتَ يتابع العلبة الطائرة غير مستوعب للخطب.
· هذه لي ومن حقّي ( قلت له مبتسماً ).
جاوبني بابتسامة خائفة مستسلمة معبرة دون أن يتفوّه بكلمة واحدة، فجثوت أمامه أبادله المشاعر بابتسامة مخلصة مطمئنة وادعة، وأخذته من يده نحو الثلاجة ناسياً الحرّ والقيظ، وأنا أقول له:
· اختر ما تريد.
فهم قصدي وبادلني الابتسامة بأحسن منها، مشيراً إلى العبوة التي أمسكها بيدي، بعد أن خطفتُها من بين شفتيه، أخذ الصبي علبة جديدة من الجهاز، وشرعنا في هذا القيظ نرشف معاً بسعادة أجمل مشروب تذوقته في حياتي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق